×
×

ورقة بن نوفل… النصراني الذي نصر الإسلام

يعتبر ورقة بن نوفل، واحدا من أبرز الشخصيات في المرحلة التأسيسية للإسلام، وقد لعب دورا أساسيا في تقوية عضد الرسول خلال مرحلة الشك التي اعترته عند بداية الدعوة.
في هذا المقال تسلط مرايانا الضوء على بعض من سيرة ورقة بن نوفل كما قدمتها المصادر الإسلامية

يعتبر ورقة بن نوفل واحدا من أبرز الشخصيات التي لعبت دورا مهما في المرحلة التأسيسية للإسلام، إلا أن كثيرا من الغموض يحيط هذه الشخصية، بشكل يجعل من الصعب الإحاطة بتفاصيلها كاملة.

في هذا المقال، نحاول إعادة تشكيل صورة ورقة بن نوفل، كما استقيناها من المصادر الإسلامية.

جدير بالذكر أننا اعتمدنا في إعداد هذه المادة على أمهات الكتب الإسلامية، خاصة التي كتبت بين القرنين الثاني والرابع الهجري، ومن أبرزها: السير والمغازي لابن إسحاق، وسيرة ابن هشام، وصحيح البخاري، والطبقات الكبرى لابن سعد، والمحبر لأبو جعفر البغدادي، وأخبار مكة للأزرقي، والمنمق في أخبار قريش لأبو جعفر البغدادي، وغيرهم.

لا تتطرق المصادر الإسلامية إلى ورقة بن نوفل بشكل كبير، وأقدم الإشارات حول سيرته، ترجع لأحد احتفالات قريش بمناسبة إعادة بناء الكعبة وكسوتها، حيث اجتمع أربعة أشخاص هم: “زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحويرث بن أسد بن عبد العزى، وعبد الله بن جحش بن رئاب”.

تروي المصادر تفاصيل الاجتماع وتذمر الأربعة من انحراف قريش العقائدي، واتفاقهم على الخروج من المنطقة والبحث عن الحقيقة في الأرض عند “أهل الكتاب من اليهود والنصارى والملل كلها، الحنيفة دين إبراهيم عليه السلام”.

خلال تلك الرحلة، اعتنق ورقة بن نوفل النصرانية، “فاستحكم في النصرانية، واتبع الكتب من أهلها، حتى علم علماً كثيراً من أهل الكتاب”.

صادف عرض عثمان هوى في نفس قيصر، فكساه “وحمله على بغله مسرجة بسرج من ذهب، وقال له: لا سلطان لابن جفنة عليك، ودفع إليه كتابا مختوما… فأقبل عثمان بالكتاب حتى قدم على ابن جفنة فدفعه إليه”. قام هذا الأخير بسجن وقتل عدد من الوجهاء الذين سبق لهم أن رفضوا تمليك ابن ابي جفنة للحويرث، في نفس الوقت الذي أخذ يتربص به، خوفا من نزاعه معه على الملك. تذهب المصادر الإسلامية، إلى أن ملك الشام قام بقتل عثمان بن الحويرث عبر دس السم له.

ورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث… رحلة البحث عن الملك الضائع

كان عثمان بن الحويرث واحدا من الأربعة الذين تعاهدوا على التيه في الأرض بحثا عن دين الحق، إضافة لكونه ابن عم ورقة بن نوفل وخديجة بنت خويلد زوجة الرسول. قرر الخروج إلى الشام التي كان يملكها ابن جفنة، وفاوضه على أن يضمن له طاعة قريش، مقابل أن يصبح سيدهم، “فكتب له وملكه وجعل له خرجا على كل قبيلة”. رفضت قريش هذا الأمر، وذهب عدد من وجهائهم إلى ابن أبي جفنة محتجين على القرار بأن “عثمان امرؤ سفيه وليس مثلك يصنع بنا مثل هذا الذي صنعت ونحن عارفون بحقك ونحن أهل حق وأهل البنية”.

بناء على كلام وجهاء قريش، قرر ابن جفنة طرد عثمان. لم يستسلم هذا الأخير، وقرر الاتجاه إلى قيصر الروم. لكن ابن جفنة أرسل إلى الحجاب والمترجمين من أجل منع عثمان من الدخول على القيصر…

تستطرد المصادر العربية في ذكر تفاصيل رحلة عثمان بن الحويرث، ومحاولاته الوصول إلى القيصر دون أن يفلح في ذلك، ودور المترجمين في ذلك، قبل أن تقوده الصدفة إلى معلم عربي، دله على طريقة للتواصل مع القيصر.

تمكن عثمان بن الحويرث من الوصول إلى قيصر بعد طول عناء، وقال له: “إني من أهل الكعبة ومن أهل بيت الله الحرام الذي تحج إليه العرب وإني كلمت ابن جفنة أن يجعل لي على قومي سلطانا فأقتسرهم على دينك فبغي عليّ رجال من قومي فرشوه فأخرجني وإني جئت إليك…”.

صادف عرض عثمان هوى في نفس قيصر، فكساه “وحمله على بغله مسرجة بسرج من ذهب، وقال له: لا سلطان لابن جفنة عليك، ودفع إليه كتابا مختوما… فأقبل عثمان بالكتاب حتى قدم على ابن جفنة فدفعه إليه”. قام هذا الأخير بسجن وقتل عدد من الوجهاء الذين سبق لهم أن رفضوا تمليك ابن ابي جفنة للحويرث، في نفس الوقت الذي أخذ يتربص به، خوفا من نزاعه معه على الملك. تذهب المصادر الإسلامية، إلى أن ملك الشام قام بقتل عثمان بن الحويرث عبر دس السم له.

ورقة بن نوفل… من مطالب بالثأر إلى متنصر

كان عثمان بن الحويرث ابن عم ورقة بن نوفل، وصديقا عزيزا له… فلما بلغه خبر مقتله، رثاه في قصيدة طويلة، كان من بين ما جاء فيها:

فلأبكين عثمان حق بكائه … ولأنشدن عمرا وإن لم ينشد

بل ليت شعري عنك يا ابن حويرث … أسقيت سما في الإناء المصعد

أم كان حتفا سيق ثم لحينه … إن المنية للحمام لتهتدي

كما زاد في أبيات أخرى مهددا بالانتقام لعثمان بن الحويرث:

أمسى ابن جفنة في الحياة مملكا … وصفي نفسي في ضريح مؤصد

والله ربي إن سلمت لآثرن … فيه بضربة جازم لم يقصد

وصل خبر القصيدة إلى ابن جفنة ملك الشام، فأمر “بقدر من حديد، فقال: أغلوا فيها الحميم، وقال: والذي أحلف به لا تزال على النار حتى أغلي فيها ورقة بن نوفل والله لئن لم يأتني به قومه لآخذن رجلا من قريش بالشام فلا يفارق الحديد حتى يؤتى به”.

وصل الخبر إلى ورقة، فخاف على نفسه، وخرج هاربا صوب أرض طيء، ومن ثم صوب البحرين، حيث ظل مختفيا لزمن. حسب المصادر الإسلامية، فقد “قال له رجل نصراني: سوف أدلك على شيء إذا قلته للملك أعفاك، فعلم النصراني ورقة فقال: إذا قدمت على الملك فلا يعلمن من أنت وتخلص إليه فإذا خلصت إليه فخذ بثوبه وقل: أعوذ بالمسيح من هذا الملك”.

طبق ورقة بن نوفل نصيحة النصراني، وأقبل على ملك الشام، وأنشده ما علمه الرجل، فأجاره وعفا عنه وعن قومه، “ودخلت النصرانية في قلب ورقة بن نوفل يومئذ”. هكذا إذن تنصر ورقة وأخذ في التبحر في علوم النصرانية والكتب المقدسة.

كان ورقة بن نوفل منتظرا للدعوة التي، ما إن ظهرت حتى كان من مؤيدي صاحبها. بحسب ما جاء في المصادر الإسلامية، فقد قال ورقة للرسول عندما أخذته خديجة عنده: “والذي نفس ورقة بيده إنه ليأتيك الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام، وإنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذين، ولتكذبن، ولتقاتلن، ولتنصرن، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصراً يعلمه الله، ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه”.

ورقة بن نوفل… مناصر النبي

عاش ورقة بن نوفل في قريش، وقد وقع اللقاء بينه وبين الرسول مرارا، كانت أولاها عندما كان الرسول صغيرا، فقد أورد ابن هشام: “وزعم الناس فيما يتحدثون -والله أعلم- أن أمه السعدية لما قدمت به مكة أضلها في الناس، وهي مقبلة به نحو أهله، فالتمسته فلم تجده، فأتت عبد المطلب، فقالت له: إني قد قدمت بمحمد هذه الليلة، فلما كنت بأعلى مكة أضلني، فوالله ما أدري أين هو، فقام عبد المطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده، فيزعمون أنه وجده ‌ورقة ‌بن ‌نوفل بن أسد، ورجل آخر من قريش، فأتيا به عبد المطلب، فقالا له: هذا ابنك وجدناه بأعلى مكة، فأخذه عبد المطلب، فجعله على عنقه، وهو يطوف بالكعبة يعوذه ويدعو له، ثم أرسل به إلى أمه آمنة”.

هكذا إذن كان ورقة هو من وجد الرسول عندما تاه من مرضعته، كما يبدو أنه أدرك ملامح النبوة مبكرا في النبي، بسبب ما ذكرته له خديجة. تنقل المصادر الإسلامية عددا من الأشعار، أنشدها ورقة لخديجة، يستبطئ فيها تأخر ظهور دعوة محمد، من ذلك ما أورد ابن إسحاق في كتاب السير والمغازي:

“وأخبار صدق خبرت عن محمد … يخبرها عنه إذا غاب ناصح

فتاك الذي وجهت يا خير حرة … بغوري والنجدين حيث الصحاصح

إلى سوق بصرى في الركاب التي غدت … وهن من الأحمال قعص دوالح

فخبرنا عن كل حبر بعلمه … وللحق أبواب لهن مفاتح

بأن ابن عبد الله أحمد مرسل … إلى كل من ضمت عليه الأباطح

وظني به أن سوف يبعث صادقا … كما أرسل العبدان هود وصالح

كان ورقة بن نوفل إذن، بحسب هذه الرواية، منتظرا للدعوة التي، ما إن ظهرت حتى كان من مؤيدي صاحبها. بحسب ما جاء في المصادر الإسلامية، فقد قال ورقة للرسول عندما أخذته خديجة عنده: “والذي نفس ورقة بيده إنه ليأتيك الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى عليه السلام، وإنك لنبي هذه الأمة، ولتؤذين، ولتكذبن، ولتقاتلن، ولتنصرن، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرنك نصراً يعلمه الله، ثم أدنى إليه رأسه فقبل يافوخه”.

نستشف من المصادر الإسلامية الدور الذي لعبه ورقة في دعم النبي، في مرحلة خاصة وصعبة، لدرجة دفعت الرسول إلى محاولة التردي من شواهق الجبال، كما ورد في أحد الأحاديث الواردة في صحيح البخاري، والتي فردنا لها مادة خاصة في مرايانا.

رغم أن ورقة بن نوفل كان مؤيدا ومعضدا لدعوة النبي، إلا أنه فضل الموت على دينه “النصرانية”، بيد أن ذلك لم يمنع الرسول من إجلال مكانته، فوردت عدة أحاديث تحرم شتمه، وتنهى عن الإشارة إليه بسوء، وتخبر عن مكانه في “الجنة”.

 

مقالات قد تهمك

في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس
 هؤلاء 10 من أشهر شعراء العرب… يهود ومسيحيون في زمن الجاهلية! 2/1

عندما تحدث البخاري عن محاولة الرسول الانتحار

ملف “مرايانا”: الشك؟… رفيق خاتم المرسلين نحو اليقين 2/3

من بلجيكا، غباري الهواري يكتب: هل تزوج النبي بعائشة وهي طفلة ؟

الزبير بن العوام، طلحة بن عُبيد الله وعلي بن أبي طالب: هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام.. (الجزء الثاني)

مصطفى بوهندي لـ “مرايانا”: حديثي عن أبي هريرة لم يأت من إكثاره للرواية، وإنما من تناقض رواياته ومخالفاتها للقرآن 2/2

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *