×
×

إينو … الملكة المغربية التي عشقها قيصر

رغم أهمية شخصية إينو، فإن الدراسات تكاد تتجاهلها. حتى تلك التي تناولتها، لم تنظر للأمر في سيرورته التاريخية، وبأنها تشكل جزءا من نسق مغربي، كانت المرأة فيه ترتقي أعلى الدرجات الفكرية والسياسية والعلمية، ويمتد تأثيرها في أرجاء الدنيا بشكل لازال يستعصي على الفهم.

الكاهنة، كنزة الأوربية، زينب النفزاوية، السيدة الحرة

كثيرات هن النساء اللواتي بصمن تاريخ المغرب على مر العصور. لن يكون من التجني أو المبالغة القول، إن المرأة المغربية كان لها حضور بارز في التاريخ، ملكة كانت أو عالمة أو قائدة عسكرية أو أديبة.

في هذا المقال، تسلط مرايانا الضوء على واحدة من الملكات اللواتي عرفهن المغرب في تاريخه، وهي “إينو” زوجة بوغود (توفي سنة 31 ق.م) ابن باخوس الأول، والذي حكم غرب نهر ملوية (المغرب حاليا)، وكان أحد الحلفاء الذين تمكن يوليوس قيصر، بمساعدته، من الانتصار على أعدائه وتشكيل الإمبراطورية الرومانية.

جدير بالذكر أن المصادر لم تفرد حيزا كبيرا لإينو زوجة بوغود، رغم تأثيرها الواضح على زوجها، وعلى يوليوس قيصر الذي وقع في غرامها، وتكاد تنعدم الإشارات حولها، باستثناء ما أورده المؤرخ الروماني “سويتونيوس” (69م -140م)، وشذرات متفرقة أخرى.

لم تشر المصادر إلى تاريخ وكيفية زواج بوغود بإينو. لكن، حسب بعض الإشارات، فقد تم اللقاء الأول بينهما في طنجة، خلال مأدبة جمعت بين فرسان الملك، وأمغار قبيلة الزغرنيس (قبيلة مورية)، وهو ما يؤكد الأصل المغربي لهذه الملكة.

أما دراسات الباحثين المعاصرين، فقد كان أبرزها ما كتبه “جابرييل كامبس” عن نساء المغرب القديم، والذي لا يخلو من إسقاطات متأثرة بالنزعة الكولونيالية، التي تنظر إلى شمال المتوسط كالمركز المصدر للقيم؛ وتستكثر، بالتالي، على المغاربة أن يكون للمرأة عندهم حضور بارز وقوي، ووضع خاص مختلف عن الباقي، دون أن يكون مرتبطا بالشمال أو الشرق.

إينو المغربية… يونانية؟

اختلف الباحثون حول شخصية الملكة إينو، خاصة أن أهم مصدر أشار إليها كان هو المؤرخ سويتونيوس، عند حديثه عن علاقات يوليوس قيصر؛ وقد ذهب “جابرييل كامبس” إلى أن “إينو مايرا” من أصول يونانية، وأنها نجلة إحدى الأسر اليونانية الأرستقراطية، معتمدا على أن اسمها يعني “الخير” باليونانية.

لكن البعض رجح أنها من أصول مغربية قحة، تنحدر من الموروروس (Morors) وهم إحدى الأسر النبيلة في مدينة وليلي، معتمدين في ذلك على أن اسمها الأصلي الحقيقي هو “أوسنوفا”.

يظل الرأي الثاني هو الأقرب للصواب، إذ أن ما طرحه كامبس حول الأصول اليونانية لإينو، لا يستند لأي دليل تاريخي أو أثري، إضافة إلى أن اسم إينو يبدو مغربيا أصليا، ولازالت لفظة “إينو” إلى اليوم متداولة في اللهجات المغربية، بمعاني عدة.

إينو الملكة… زوجة الملك

لم تشر المصادر إلى تاريخ وكيفية زواج بوغود بإينو. لكن، حسب بعض الإشارات، فقد تم اللقاء الأول بينهما في طنجة، خلال مأدبة جمعت بين فرسان الملك، وأمغار قبيلة الزغرنيس (قبيلة مورية)، وهو ما يؤكد الأصل المغربي لهذه الملكة.

يبدو أن الملك بوغود قد وقع في غرام إينو من أول لقاء، فانتهى الأمر بزواجه منها؛ ثم خاض الملك رحلة على طول ساحل المحيط الأطلسي، ذهب المؤرخون إلى أنها كانت بدعم وتشجيع منها، حتى وصل للمناطق الاستوائية، وعاد إلى زوجته محملا بما وجده في رحلته، خاصة القصب العملاق والهليون، اللذان كانا منتشران في المنطقة التي غامر فيها بوغود من أجل زوجته.

إينو عشيقة القيصر

أشار المؤرخ سويتونيوس في كتابه عن حياة قيصر إلى أنه “كان لقيصر أيضًا ملكات كعشيقات، من بينهم ملكات موريتانيا، خاصة إينو زوجة بوغود؛ ووفقًا لما تقوله ناسون، فقد قدم لها ولزوجها مجموعة من الهدايا الأميرية”.

اعتمد الكثيرون على هذا النص، للحديث عن علاقة عاطفية بين يوليوس قيصر والملكة إينو. لكن، مع ذلك، يظل الأمر محط شك كبير، فالأكيد أن يوليوس قيصر قد أعجب بالملكة بشكل كبير، لكن لا يمكن الحديث عن وجود علاقة متبادلة.

هذه الصورة أحدثت صدمة في التفكير الأوروبي الوسيط، فلم يكن من السهل تقبل وجود الجمال خارج أوروبا. في نفس الوقت، لم يكن من السهل تقبل فكرة أن يحب القيصر (رمز عظمة الإمبراطورية الرومانية) امرأة غير جميلة، ولعل هذا ما يبرر فكرة اختلاق الأصل اليوناني لإينو، كمخرج للوعي الأوروبي الوسيط، الذي يبدو أنه استمر في النزعة الكولونيالية.

اختلفت المصادر في تاريخ اللقاء بين يوليوس قيصر وإينو، إذ ذهب البعض إلى أن الأمر تم في إسبانيا، عندما رافقت إينو بوغود في حملة عسكرية كان يقودها في المنطقة، بينما ذهب البعض إلى أن اللقاء تم عند وصول يوليوس قيصر لشمال إفريقيا قبل معركة تابسوس في أبريل 46 ق.م، وأنه حاول التودد إليها من خلال مجموعة من الهدايا.

إينو ملهبة خيال أوروبا الوسيطية

ألهبت قصة يوليوس قيصر وإينو المخيال الأوروبي في العصر الوسيط، وعرفت مبالغات كبيرة سعت لإبراز مظاهر العلاقة بينهما. خلال هذه الفترة، تم تصوير القيصر في صورة زير النساء الذي تمكن من الإيقاع بأعظم الملكات، ومن بينهن إينو، التي وصفتها بعض نصوص الفترة على أنها كانت واحدة من أجمل الجميلات.

يشير بعض الباحثين إلى أن هذه الصورة أحدثت صدمة في التفكير الأوروبي الوسيط، فلم يكن من السهل تقبل وجود الجمال خارج أوروبا. في نفس الوقت، لم يكن من السهل تقبل فكرة أن يحب القيصر (رمز عظمة الإمبراطورية الرومانية) امرأة غير جميلة، ولعل هذا ما يبرر فكرة اختلاق الأصل اليوناني لإينو، كمخرج للوعي الأوروبي الوسيط، الذي يبدو أنه استمر في النزعة الكولونيالية.

حضرت إينو في عدة أعمال أدبية وفنية تناولت سيرة يوليوس قيصر، كما تم تصويرها في لوحة للفنان الإيطالي بوليماث يعقوب سترادا، خلال القرن السادس عشر الميلادي.

رغم أهمية شخصية إينو، فإن الدراسات تكاد تتجاهلها. حتى تلك التي تناولتها، لم تنظر للأمر في سيرورته التاريخية، وبأنها تشكل جزءا من نسق مغربي، كانت المرأة فيه ترتقي أعلى الدرجات الفكرية والسياسية والعلمية، ويمتد تأثيرها في أرجاء الدنيا بشكل لازال يستعصي على الفهم.

 

مقالات قد تهمك

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *