×
×

اللَّقاحية: بعدما اعتنقوا اللاسلطة مذهبا سياسيا… كيف تعاملت العرب مع ظهور نبي فيهم؟ 2/2

حين اندلع صراع علي بن أبي طالب مع الأمويين، ركز على تذكير العرب بعقيدتهم اللقاحية، مبينا لهم أن هؤلاء يقاتلونهم على الدنيا ليكونوا فيها “جبابرة ملوكا”، وأنهم إذا حكموا سيعملون بأعمال كسرى وقيصر.
هكذا، ببروز الأمويين، قاتلهم العرب تحت راية اللقاح لأنهم عادوا بهم إلى ذكريات “كسرى وقيصر”… كان انتصار الأمويين ليكون “قاصمة الظهر” التي صرخوا سابقا ذعرا من وقوعها.
لكن، هذه المرة، انتصر الأمويون وحولوا العرب إلى رعايا دون شروط…

بعدما تعرفنا في الجزء الأول على اللقاحية كنهج سياسي سارت عليه العرب قبل ظهور الإسلام فيهم، في هذا الجزء الثاني والأخير، نرى كيف تعاملت مع محمد إذ ظهر فيهم نبيا، ومن ثم، ستكون له سلطة عليهم كثيرا ما نبذوها قبله.

كان عرب “الجاهلية” على معرفة بالنبوات من اليهود والنصاري، فقد سمعوا عن زعماء، لكن أنبياء، مثل موسى وعيسى.

بيد أن هؤلاء ساروا على نهج يختلف عما كانت العرب تعرفه عن الملوك. لذا، حين ظهر محمد وذاع صيت دعوته، كان همهم الأكبر اختباره: هل هو ملك، أم نبي؟

في أدبيات صدر الإسلام، واضحٌ التمايز بين صفتي ملك ونبي. التمايز الذي يأخذ صيغة أخرى بعد محمد، فيصير: ملك أو خليفة. الخليفة هنا بمعنى وراثته للنبوة في طريقة الحكم.

كان هذا أساسا ما عنى العرب من مسألة الوحي والدلائل عليه، يقول المفكر العراقي هادي العلوي في كتابه “في الإسلام المعاصر”.

المعارضة السياسية والمسلحة والإيديولوجية التي جوبه بها الأمويون، ومن بعدهم العباسيون، أبقت التجربة اللقاحية والوعي اللقاحي حيا في النفوس. تداعيات العصور المختلفة للإسلام تبين، أن الفرد العربي حافظ على حساسيته “الجاهلية” من الدولة، ذلك أنه لم يتمتع بالشعبية إلا قليل من الحكام المسلمين طيلة عصور الخلافة.

الذي حدث هنا ببساطة، أن لَقاحية “الجاهليين” بمفهومها الذي تعرفنا عليه في الجزء الأول، اصطدمت بسلطة ناشئة في الإسلام.

في الأخير، تقبل “الجاهليون”، بتدريج وتمهيد عسيرين، سلطة محمد بوصفه نبيا. الواقع أن محمدا، يقول هادي العلوي في كتابه “إضاءات”، كان سيفشل في مشروعه لو أنه لم يعتمد على النبوة، ولو أنه أعلن نفسه، من نفسه، ملكا على العرب.

على أن اللقاحية في صدر الإسلام تطورت إلى تصور ناضج للدولة البسيطة، كما اشترطها العرب على محمد وخلفائه، بعدما اقتنعوا أنه لا بد من دولة.

التصور هذا، وفق ما يورده العلوي في “في الإسلام المعاصر”، قريب من ترسيمة التاويين الصينيين[1] للدولة: قليلة القوانين؛ عديمة الشكليات والطقوس؛ محدودة المؤسسات؛ يقف على رأسها حكيم يرشد الناس ولا يحكمهم.

هذا الحكيم عند التاويين، هو النبي عند “الجاهليين”… وهذا ما جعل هادي العلوي، في مقال له بمجلة “دراسات عربية”، يصف حكم النبوة بأنه “حكم لقاحي” بلغة “الجاهليين”.

اللقاحية إذن تثبتت كأسلوب حكم، بعد أن ثبتت لمحمد صفة النبي لا الملك… ولأصحابه الذين أعقبوه، صفة الخلافة لا الملوكية.

على أن العشر سنوات من قيادة النبي الآمرة في يثرب، بذرت بذرة سلطة، أثمرت بعد ذلك بسنوات، إمبراطورية عاتية أسسها الأمويون.

لكن العرب إذ قبلوا بالراشدين خلفاء قبل ذلك، فعلوا ذلك لالتزام هؤلاء أصول اللقاحية في دولتهم، وإن كان وصولهم إلى هذه القناعة، يقول العلوي، جاء بعد حروب دامية، خاضوها تحت راية اللقاح، خوفا من أن تحل الملوكية محل النبوة بوفاة محمد.

حتى إنه إلى حدود وفاة النبي واستخلاف أبي بكر، لم تكن العرب قد استوعبت هذه البذرة بعد. كان ذلك سبب الردة، الذي عبر عنه بوضوح شاعر من أصحاب المتنبئ طليحة الأسدي، في بيتين نسبهما البعض إلى الحطيئة:

أطعنا رسول الله ما كان بيننا… فيا لعباد الله ما لأبي بكر؟

أيورثنا بكرا إذا مات بعده… وتلك لعمر الله قاصمة الظهر

في ذعر صارخ من الملكية إذن، رأت العرب أن أبا بكر وقد قام عليهم، سيأتي من بعده بكر… ومن ثم، يتضح أن العرب أطاعت محمدا بوصفه “رسول الله” لا لكونه حاكما.

بيد أن حكم الراشدين، لم يكن على النمط الذي توجست منه العرب، فقد استخلف أبو بكر رجلا لا يقربه، هو عمر بن الخطاب، بعدما رآه جديرا بقيادتهم من بعده.

مهمة عمر بعد ذلك، كانت تقضي بإقامة سلطة فعلية. لكنه كان واعيا برد فعل متوقع من العرب تجاه ذلك. صحيح أن سلطته، يقول العلوي، كانت أكثر آمرية من سلطة محمد، وهي حلقة بارزة في مسلسل نشوء الدولة في الإسلام؛ إلا أنه لم يتجاوز هذا الخط كثيرا، فقد تمسك في عموم سياسته بمبادئ اللقاحية.

لكن عثمان بن عفان من بعده، تجاوز ذلك الخط كثيرا، ليس فقط في توطيد السلطة، بل وفي تأسيس الاستبداد، يضيف العلوي، حتى إن ذلك كلفه في الأخير حياته.

أما حين استخلف علي بن أبي طالب من بعده، فقد كان مضى على ظهور الدولة في الإسلام ما يكفي من الوقت لإثارة التفكير فيها: هل هي ضرورية أم زائدة عن الحاجة؟ حسب ما كتبه في “نهج البلاغة”، فالدولة لازمة، سواء كانت عادلة أم جائرة.

إجمالا، سلك علي في حكمه سياسة بدت متأثرة بقوة المد الجماهيري الذي دفع به إلى السلطة، فتعامل مع رعاياه، وكان سوادهم الأعظم من العرب، يورد العلوي، بروح المساواة بين الحاكم والمحكوم.

صحيح أن سلطة عمر، كانت أكثر آمرية من سلطة محمد، وهي حلقة بارزة في مسلسل نشوء الدولة في الإسلام؛ إلا أنه لم يتجاوز هذا الخط كثيرا، فقد تمسك في عموم سياسته بمبادئ اللقاحية. لكن عثمان بن عفان من بعده، تجاوز ذلك الخط كثيرا، ليس فقط في توطيد السلطة، بل وفي تأسيس الاستبداد، حتى إن ذلك كلفه في الأخير حياته.

ثم إنه، حين اندلع صراعه مع الأمويين، ركز على تذكير العرب بعقيدتهم اللقاحية، مبينا لهم أن هؤلاء يقاتلونهم على الدنيا ليكونوا فيها “جبابرة ملوكا”، وأنهم إذا حكموا سيعملون بأعمال كسرى وقيصر.

هكذا، ببروز الأمويين، قاتلهم العرب تحت راية اللقاح لأنهم عادوا بهم إلى ذكريات “كسرى وقيصر”… كان انتصار الأمويين ليكون “قاصمة الظهر” التي صرخوا سابقا ذعرا من وقوعها.

لكن، هذه المرة، انتصر الأمويون وحولوا العرب إلى رعايا دون شروط…

الإسلام الأموي، يقول العلوي في “في الإسلام المعاصر”، يزودنا بالأساس الذي تقوم عليه دولنا اليوم، مع تفاوت في الأشكال مأخوذ من شكليات الدولة الحديثة.

مع ذلك، المعارضة السياسية والمسلحة والإيديولوجية التي جوبه بها الأمويون، ومن بعدهم العباسيون، يضيف العلوي، أبقت التجربة اللقاحية والوعي اللقاحي حيا في النفوس.

تداعيات العصور المختلفة للإسلام تبين، وفق العلوي، أن الفرد العربي حافظ على حساسيته “الجاهلية” من الدولة، ذلك أنه لم يتمتع بالشعبية إلا قليل من الحكام المسلمين طيلة عصور الخلافة.

[1]  تعود التاوية إلى القرن السادس ق.م.

لقراءة الجزء الأول: اللَّقاحية… حين كانت اللاسُلطة مذهبا سياسيا للعرب! 1/2

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *