×
×

عبد الرحمن المجذوب: مصلح اجتماعي في جبة متصوف

إذا وجهنا أعيننا صوب بلد الأولياء أي المغرب، فسنجد صاحب رباعيات سرت بذكره الركبان ولازال، منذ قرون، حي الذكرى على ألسن المغاربة… وهو سيدي عبد الرحمن المجذوب.
في هذا المقال تسلط مرايانا الضوء على بعض من أوجه سيرة مصلح في جبة متصوف

ما إن نسمع الرباعيات، حتى يقفز إلى ذهننا عمر الخيام، الشاعر الصوفي الفارسي الشهير، الذي أدت أم كلثوم رباعياته. لكن، إن نقلنا أعيننا من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب أو بلد الأولياء المغرب، فسنجد صاحب رباعيات أخرى، سرت بذكره الركبان ولازال، منذ قرون، حي الذكرى على ألسن المغاربة… وهو سيدي عبد الرحمن المجذوب.

في هذا البرورتريه، ترصد مرايانا أبرز وجوه هذه الشخصية.

ترجع المصادر سبب تسميته بالمجذوب إلى ولي زرهون عمر الخطاب الزرهوني (943/1536) الذي كان من أبرز معلمي المجذوب، وهو الذي أمره بالنزول لبلاد الهبط والاستقرار بها. بحسب ما تذكره بعض المصادر، فقد فاق أقرانه يوما، فقال عمر “لا يبقى مجذوب إلا المجذوب” وأمرهم بتغطية رؤوسهم، فتسمى منذئذ بالمجذوب حتى غلب اللقب على الاسم وصار حكرا عليه.

خلال القرن العاشر الهجري ـ السادس عشر الميلادي، انتشر التصوف بشكل كبير في المغرب، وهو تصوف كان متعدد الأوجه والأشكال اتخذ تجليات عدة، منها الشعوذة والسحر، ومنها الانتقاد والتوجيه والتعليم.

من الطائفة الثانية برز اسم سيدي عبد الرحمن المجذوب، المتصوف الذي حمل قلمه، وسار في المدن والقرى والمداشر مسلطا سيف النقد على المظاهر الاجتماعية والسياسية المنحرفة، داعيا إلى مجتمع جديد.

من أزمور إلى فاس: من الطفل إلى المجذوب

كان والد عبد الرحمان المجذوب شيخا صوفيا هو عياد بن يعقوب بن سلامة بن خشان، صنهاجي الأصل فرجي دكالي الموطن. تتلمذ على يد الشيخ إبراهيم أفحام الزرهوني تلميذ الشيخ أحمد زروق.

سنة 909 هـ/1506م سيرى المجذوب النور في رباط تيط قرب أزمور. لما بلغ الصبا، حمله والده إلى مدينة مكناس حيث أقام في موضع يسمى “إركان”. هناك نشأ المجذوب في وسط صوفي، وتلقى تعليمه في مدينة مكناس، قبل أن يشد الرحال صوب مدينة فاس، حيث تغيرت أحواله، وغرق في التصوف، وساح في الأرض كالمجاذيب.

تسكت المصادر التي أرخت لعبد الرحمن المجذوب عن تكوينه العلمي والمعرفي؛ وإن ذهبت بعض الآراء إلى أنه لم يرتق في الدرجات التعليمية أو العلمية، وأنه اكتفى بالتصوف، ولم يجمعه بالفقه أو العلوم.

على العموم، يقود تتبع شيوخه إلى الوقوف على أنه كان شاذليا، وذلك أنه تتلمذ على يد علي الصنهاجي الدوار المنتمي للطريقة الزروقية، كما تتلمذ على يد عمر الخطاب الزرهوني المنتمي للطريقة الجزولية، وهما معا (الجزولية والزروقية) ينتسبان إلى الشاذلية.

إضافة لهذا، حرص المجذوب على التتلمذ على يد كبار متصوفة زمانه، من بينهم الشيخ أبو الرواين السهيلي، والشيخ أحمد الشبيه، والشيخ الشهير سعيد بن أبي بكر المشنزائي، والشيخ جعران السفياني.

ترجع المصادر سبب تسميته بالمجذوب إلى ولي زرهون عمر الخطاب الزرهوني (943/1536) الذي كان من أبرز معلمي المجذوب، وهو الذي أمره بالنزول لبلاد الهبط والاستقرار بها. بحسب ما تذكره بعض المصادر، فقد فاق أقرانه يوما، فقال عمر “لا يبقى مجذوب إلا المجذوب” وأمرهم بتغطية رؤوسهم، فتسمى منذئذ بالمجذوب حتى غلب اللقب على الاسم وصار حكرا عليه.

انخراط في الحياة العامة

لم يكن المجذوب من المنقطعين عن الناس، أو الغارقين في التصوف والجذب بعيدا عن الناس. بحسب ما أورد ابن زيدان، فإنه كانت له “زوجات وأولاد وزاوية يطعم فيها الطعام للواردين عليها من الغرباء وأبناء السبيل وغيرهم، تقام فيها الصلوات الخمس، مواظبا عليها وربما باشر الآذان بنفسه إن لم يحضر من يؤذن، وإذا اجتمع أصحابه للذكر على عادة الفقراء ذكروا جلوسا فإذا انزعج أحدهم وقام أو رقص أسكتهم وفرق الجمع”.

الصمت الذهب المسجر

والكلام يفسد المسالة

إذا شفت لا تخبر

وإذا سالوك قول لالا

احتكاك المجذوب بالحياة العامة لم يكن مقتصرا على الزاوية أو الأسرة، فقد كان منخرطا فيها، محتكا بكافة مظاهرها، إذ عرف بسياحاته التي جاب فيها ربوع المغرب، يقدم فيها النصح إلى الناس، يحض على مكارم الاخلاق، كما انتقد الأوضاع السياسية نقدا حادا، ودعا إلى الجهاد لتحرير الثغور المحتلة، ووجه سهام نقده لمظاهر التدين الشكلي التي سادت البلاد خلال تلك الفترة، أو بعض الممارسات الاجتماعية كالسحر والشعوذة والطمع… إلخ.

كان سلاحه في هذا العمل الذي يقوم به، هو الرباعيات الزجلية التي كان ينظمها والتي تتضمن تصوره ومواقفه من القضايا التي يطرحها، وهو ما جعله يتمتع بتقدير واحترام العامة والخاصة، وذاعت شهرته فتقاطر عليه التلاميذ من كل حدب وصوب.

الوفاة وأساطير الكرامات

توفي المجدوب يوم الجمعة 9 ذي الحجة 976 الموافق لـ 26 ماي 1569، بمدشر مرشاقة في بلاد الهبط، وحمل جثمانه ليدفن في مكناس، حيث شيدت عليه قبة، وضريحه اليوم يوجد ضمن ضريح السلطان مولاي إسماعيل.

بعد وفاته، تناسلت القصص حول كراماته وخوارقه، ومن ذلك مثلا أن رجلا من أهل القصر كان يسخر منه، وكان يصفه بالمجذوم عوض المجذوب، ويبالغ في أذاه، فإذا بالمجذوب يقف عليه ذات ليلة في المنام، ونفخ على وجهه، فلما أصبح تحولت آثار النفخة إلى جذام سرعان ما انتشر في سائر جسم الرجل، حتى نبذه أهله في ربض المدينة.

 

من بين رباعياته التي اشتهر بها:

الصمت الذهب المسجر

والكلام يفسد المسالة

إذا شفت لا تخبر

وإذا سالوك قول لالا

وفي مقطع آخر يقول:

لا تسرج حتى تلجم

واعقد عقدة صحيحة

لا تتكلم حتى تخمم

لا تعودلك فضيحة

 وعن المرأة:

لا يعجبك نوار الدفلى

في الواد داير ظلايل

لا يعجبك زين الطفلة

حتى تشوف الفعايل

وقوله:

الصاحب لا تلاعبه

والناعر لا تفت عليه

اللي حبك حبه اكثر

واللي باعك لا تشريه

ومن أقواله في انتقاد السياسة:

تخلطت ولا بغات تصفى

ولعب خزها فوق ماها

رياس على غير مرتبة

هما سبب خلاها

أو قوله:

يا الزمان يالغدار

يا كاسرني من ذراعي

طيحت من كان سلطان

وركبت من كان راعي

وقوله:

راح ذاك الزمان وناسو

وجا ذا الزمان بفاسو

وكل من يتكلم بالحق

يكسروا له راسو

وعن الفقر يقول:

ضربت كفي لكفي

وخممت في الأرض ساعة

صبت قلة الشي ترشي

وتنوض من الجماعة

 

مقالات قد تهمك:

حفصة الرّكونية… مُنتهى تحرر وجُرأة الشّعر النّسائي بالأندلُس! 3/3

هذه حكاية التصوف في المغرب… بلاد الأولياء والصالحين!

ابن عربي… “الشيخ الأكبر” المتهم بالزندقة والكفر 1\2

أبو القاسم الجنيد، منبع الصوفية في المغرب

العكاكزة: قصة طائفة مغربية جعلت من الجنس الجماعي وزواج الكبيرة بالصغير طقوسا تعبدية 1\3

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *