×
×

من كندا، عمر لبشيريت يكتب: خِيانة يونانية.. كُنتُ شاهد عيان

لم يكن عُمْر هذا القادم من بلاد الحكمة والآلهة والأساطير يتجاوز خمسين شتاء كنديا.
لكن بدنه خان روحه المتوسطية المحبة للشمس والبحر، وهو ما يزال في عنفوان إقباله على الحياة، في غمرة استعادته لروح أجواء المتوسط الدافئة، بعدما تحمل صقيع كندا وثلوجها

عندما زرت جورجيوس، أول مرة، خيل إليّ أني أعرفه منذ مدة طويلة، أو ربما كانت طريقة ترحيبه المرحة والأنيقة هي التي خلقت بيننا هذه الألفة العجيبة.

كان ممدا على سريره الطبي يستمع إلى نشرة الصباح، ومن حين لآخر كانت ترتسم على محياه ابتسامة ودودة.

في الحقيقة، كنت متهيبا من لقائه، بعد اطلاعي على ملفه الطبي وخطة العمل التي يجب اتباعها معه والحيز الزمني المخصص لخدماته.

لحسن حظي، مرت حصتي الأولى بسلام، رغم الإجهاد الذي كان باديا علي. بعد نهاية الزيارة، ودعني مبتسما وقال: أستطيع الآن أن أوقع لك شهادة ممارسة المهنة، لقد اجتزت الامتحان بتفوق. في المرة القادمة لا تنسَ أن تأتي بقائمة الأغاني المفضلة لديك..

عندما يخونك بدنك، يصبح الزمن ممددا ورَخْواً، يصير أداؤك أشبه بالعرض البطيء، تحمل جسدك وأطرافك مثل عبء ثقيل. لا تملك سلطة عليه، لا يستجيب لإشارات دماغك، يضرب عن العمل، ورغم ذلك، أنت مطالب بحمله وتحمله.

أصبحت مواعيدنا مع جورجيوس ممتعة، وتمر بسرعة رغم طولها. عندما نلج، أنا وزميلي في العمل، شقته صباحا، يرحب بي بصوت مبحوح: Salut Omer… هكذا كان ينطقها.

نشرع مباشرة في العمل والحديث والحكي والسخرية، بينما يتابع عملنا بدقة ولطف، ويشاركنا مهمة تطويع بدنه كأنه ثالثنا. كنا نقضي وقتا مرحا ننسى معه تلك المهمة الشاقة. مهمة لا تتطلب من الشخص “العادي” سوى ربع ساعة، لكن مع جورجيوس تستغرق ساعتين ونصف بآلامها وأوجاعها ودقة إنجازها.

اقرأ لنفس الكاتب: سنة ونصف في ضيافة الزهايمر…

عندما يخونك بدنك، يصبح الزمن ممددا ورَخْواً، يصير أداؤك أشبه بالعرض البطيء، تحمل جسدك وأطرافك مثل عبء ثقيل. لا تملك سلطة عليه، لا يستجيب لإشارات دماغك، يضرب عن العمل، ورغم ذلك، أنت مطالب بحمله وتحمله.

كان هذا اليوناني لا يمل من الحديث إلي، مع ما يتطلبه ذلك من مجهود استثنائي من كِلَيْنا. كيف يَمَلُّ وأنا بوابتُه ونافذتُه اليومية على العالم؟ بل أكثر من ذلك، أنا جسده الذي خانه. كنت، بالتحديد، كل جسده، ماعدا روحه وعينيه وفمه. ينتظرنا، أنا وزميلي، مثل شخص ترك معداته أو نسيها عند صديق وينتظر أن يستعيدها منه في الغد ليباشر عمله، ليغتسل، ليتذوق قطعة خبز محمص، ليتناول دواءه، ليعدل جلسته، ليزيل الشعيرات التي تزعج عينيه.

حين يخونك بدنك، تشعر أنك تحمل أثقالًا بلا معنى. تصبح سجين كثلة من الفراغ الثقيل، لا تستطيع مغادرته ولا تطويعه.

لم يكن عُمْر هذا القادم من بلاد الحكمة والآلهة والأساطير يتجاوز خمسين شتاء كنديا. لكن بدنه خان روحه المتوسطية المحبة للشمس والبحر، وهو ما يزال في عنفوان إقباله على الحياة، في غمرة استعادته لروح أجواء المتوسط الدافئة، بعدما تحمل صقيع كندا وثلوجها.

وكما تحكي الأساطير عن أقدار آلهة الإغريق القديمة، كان أن تلقى خبر خيانة جسده التراجيدية وهو بشاطئ مدينة ميامي، يطل من بعيد على بحر الكرايبي، ويستمتع، رفقة حبيبته، بالبحر والشمس…

من أجل تهييء جورجيوس (المزارع باليونانية) للاستيقاظ واستقبال نهاره ثم نقله إلى كرسيه الميكانيكي، يتطلب الأمر لوجيستيكا خاصا، بل بدنا بديلا على الأصح. بالكاد يحرك عينيه وفمه لا غير، بهما يتحرك وسط شقته لقضاء جميع أغراضه؛ يجيب ويجري الاتصالات على الهاتف… يفتح الباب ويشغل التلفزيون والحاسوب ويتصفح المواقع ويستمع إلى الموسيقى ويشتري حاجياته. كل وظائف أطراف جسده باتت مختزلة في فمه وعينيه وفي روحه المرحة والعاشقة. لقد تمكن من تطويع هذه القلة اليقظة من جسده على الصبر والتحدي.

اقرأ لنفس الكاتب: أنا وأبي… و”إيڤا”

مهمة تجهيزه صباحا لبدء نهاره، ويقوم بها شخصان، تبدأ بالتنظيف وإفراغ كيس المتانة البلاستيكي وتعقيمه وتحضير الأدوية. تليها حصة ترويض خفيفة، ثم إلباسه وحمله عبر رافعة طبية الى كرسيه الميكانيكي، وتركيب أسلاك ومعدات وأجهزة عالمه الجديد.

صعوبة هذا الطقس اليومي تكمن في عدم تحكم جورجيوس في بدنه، وأدنى خطأ في التقدير قد يتسبب في كسر إحدى عظامه. المؤكد أنه لن يحس بذلك ولن يشعر بالألم، ولن نفطن، نحن أيضا، بهذا الأمر إذا ما حصل، لكن مضاعفاته ستكون وخيمة مع مرور الأيام.

قال لي يوما: لم أقدر على الحياة الكندية، أحمل جينات متوسطية، لا أجد روحي إلا قرب البحر والملح والسمك وزيت الزيتون والشمس الحارقة..

هذه المهمة تتكرر أربع مرات في اليوم، حصة الاستيقاظ وتهييء مواعيده، وحصة الظهيرة من أجل إعداد الغذاء وتناول الدواء وإعادته الى السرير للقيلولة، وحصة المساء لحمله مرة أخرى الى الكرسي، ثم آخر حصة في الليل لإعداده للنوم.

ومع ذلك، تمر المهمة في جو من المرح والدعابة. يعي جورجيوس جيدا أن الفريق المكلف به يقوم بمهمة دقيقة تحت ضغط كبير. ليسهل علينا الأمر، كان يشغل الموسيقى ثم نشرع في حديث لا ينتهي عن السينما والموسيقى والتاريخ والأديان والسياسة، مع الكثير من القفشات… تنتهي الحصة الصباحية بإعداد فطور شهي لإطعامه، وترتيب مواعيده وتسجيل حاجياته، قبل ترك المجال للمنظفة التي تتولى ترتيب الشقة وإعداد اللائحة الأسبوعية للأكل.

اقرأ لنفس الكاتب: المهنة… ملاك الموت

حين يخونك بدنك، تشعر أنك تحمل أثقالًا بلا معنى. تصبح سجين كثلة من الفراغ الثقيل، لا تستطيع مغادرته ولا تطويعه.

تخيل أنك تعيش بعينين وروح وفم فقط، تلك الرغبة التافهة في حك أنفك لا تقدر عليها.. تلك الحاجة الملحة إلى إزالة شعرة تسربت إلى إحدى عينيك ولا تستطيع.. تحس بالعطش بينما تشاهد كأس ماء أمامك.. تتأمل يدك الممددة إلى جانبك، بينما لا تقدر على تحريك أصابعك اليابسة؛ فيغمرك ذلك الإحساس القاسي بأنك لم تعد سيدا على بدنك، ولا سلطة لديك على تمرده وعدم استجابته.. لقد هجرك وتخلى عن مطاوعتك.. عيناك مثل فمك، فقط، ظلتا طوع إرادتك، وهما سلاحك وما بقي منك.

أتذكر الآن أنك قلت لي مرة: الحياة تُلعب في جولة واحدة. وأنت لَعِبْتها، كذلك، كاملة وبعشق وتحد وصمود وكرامة!

جورجيوس ذكي جدا ولطيف، وتشع من عينيه رغبة ملحة في الحياة، عاشق للموسيقى والسينما ويعد موسوعة عنهما. في أحد الأيام، طلب مني تشغيل موسيقى گناوة. قال لي إنه كان يتمنى قضاء العطلة بالصويرة وتعقب آثار الهيبيين فوق رمالها وتذوق السردين المشوي على الفحم.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: يوتوبيا في القرن الواحد والعشرين

يحدث أن أتصفح ألبوم صور هذا اليوناني الممدد الآن فوق سريره الطبي، كان شابا وسيما طويل القامة، أسود الشعر، مثل محارب سبارطي. عاش حياته مثل ملحمة. ولد بموريال من أبوين يونانيين. يثقن الفرنسية والإسبانية والانجليزية واليونانية. تخرج من أرفع جامعة بكندا، Mcgill، رافق والده الطباخ في مطاعم موريال.

وفي لحظة ما، وكأنه يستجيب لنداء “بوسيدون” إله البحر الاغريقي، سيقرر مغادرة صقيع وثلج كندا، مدفوعا بقدره المتوسطي، ليحط الرحال في مدينة ميامي الأمريكية، عند التقاء المحيط الأطلسي مع بحر الكرايبي، ممر القراصنة والأعاصير، حيث الشمس والملح والبحر والحياة. وسيفتح مطعما يونانيا على شاطئ البحر.

قال لي يوما: لم أقدر على الحياة الكندية، أحمل جينات متوسطية، لا أجد روحي إلا قرب البحر والملح والسمك وزيت الزيتون والشمس الحارقة..

وهو يحدثني عن اليونان، بينما كنا نستمع إلى أغنية يونانية، اعترف لي قائلا: إذا أردت أن تعيش وتستمتع، فعليك بالمتوسط أو فلوريدا. لكن إذا أردت أن تمرض فعليك بكندا. لا يمكن أن تمرض وأنت في بلدك.. ستتلاشى في الشهر الأول..

وهو يستمتع بالحياة بولاية فلوريدا، جاء الخبر صاعقا، مثل غضبة “إيريز” إله الشر.

كان جورجيوس يحتفل بميلاده الأربعين، موعودا بالحب والبحر والدافئ، عندما أخبره الطبيب: يا ابني يا جورجيوس، لقد حلت عليك لعنة مرض “التصفح اللويحي” sclerose en plaque. سيهاجم جهازك المناعي نفسه، فيما يشبه عملية تدمير ذاتي. ستفقد رويدا رويدا السيطرة على بدنك وحواسك وأعصابك، وقد تفقد القدرة على المشي، على استعمال يديك، على الكلام، على استعمال ذاكرتك، قد يهرب منك بدنك…

وكما يحدث في التراجيديا الإغريقية؛ بعدما تفتح أمامك الحياة مصراع ذراعيها وتعدك بالحب والهناء، وبينما تغمرك شمسك الأربعين وتقرر التخلي عن جميع حسناوات ميامي لتختار حبيبة واحدة، تغلق عليك الحياة، في رمشة عين، أبوابها وتحولك إلى سجين وسط بدنك..

اقرأ لنفس الكاتب: الهجرة التي ظلت تلاحقني، وتهرب مني

أتخيل هذا الجورجيوس سيء الحظ في مطعمه وهو يتأمل البحر، مثل حكيم إغريقي، وشريط حياته يمر أمامه، وبعد تفكير طويل يقرر مواجهة قدره بحكمة يونانية قُدّتْ من صخر. أتخيله وهو يلقي آخر نظرة على البحر، وربما نزل حافي القدمين إلى الماء ليبلل أقدامه وتذوق ملوحة البحر لآخر مرة. أتخيله وهو يعد وجبة سمك لذيذة، قبل أن يغلق المطعم ويخبر حبيبته وخطيبته بعودته إلى كندا…

قال لي مرة: أعرف أن المرض سيأخذ مني كافة قواي تدريجيا، لا أريد أن أكون عالة على أحد ولا أن أرهن حياة امرأة في ريعان شبابها… لذلك افترقنا. ثم عاد إلى شتائه الكندي الطويل. كان جورجيوس يعرف جيدا أن مصيره سيكون مرهونا بخدمات صحية جيدة، وهذا غير مضمون في أمريكا إلا لمن يتوفر على المال وتأمين في المستوى… لذلك عاد أدراجه إلى كندا، حيث الرعاية والخدمات الصحية والاجتماعية لمن هم في وضعيته مجانية وجيدة..

وهو يحدثني عن اليونان، بينما كنا نستمع إلى أغنية يونانية، اعترف لي قائلا: إذا أردت أن تعيش وتستمتع، فعليك بالمتوسط أو فلوريدا. لكن إذا أردت أن تمرض فعليك بكندا. لا يمكن أن تمرض وأنت في بلدك.. ستتلاشى في الشهر الأول..

صعوبة هذا الطقس اليومي تكمن في عدم تحكم جورجيوس في بدنه، وأدنى خطأ في التقدير قد يتسبب في كسر إحدى عظامه

رغم أن المرض اللعين حرمه من استقلاليته، إلا أنه، وبفضل الرعاية الاجتماعية، فشل في أن يسلبه كرامته. فحتى وهو لا يستعمل سوى عينيه وفمه ويعيش بمفرده، ظل يستمتع بموسيقاه المفضلة ويشاهد أفلامه القريبة إلى ذائقته ويتصل بالعالم عبر الآليات المثبتة بكرسيه المتحرك وسريره الطبي. بنفخة من فمه أو بغمزة من عينه يستطيع تحريك الكرسي وفتح الباب والخروج والتسوق وتصفح الانترنيت والاتصال بالنقل العمومي الخاص..

وكما تحكي الميثولوجيا الإغريقية عن معاقبة جبابرة الآلهة للإله “أطلس”، حين حكمت بنفيه وحمل قبة السماء على كتفيه، قبل أن تحوله إلى سلسة جبال ببلاد المغرب، ظل هذا المنبوذ الأسطوري يؤدي مهامه بصمود وتحد، وحمل ثقل الحياة على كتفيه وبقي شاهقا شامخا يطل على البحر من بعيد.

أتذكر الآن أنك قلت لي مرة: الحياة تُلعب في جولة واحدة. وأنت لَعِبْتها، كذلك، كاملة وبعشق وتحد وصمود وكرامة!

يحق لك أن تنام قرير العين، أيها الجورجيوس النبيل، يا بطلي الإغريقي.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *