×
×

المرأة والفقه: بين الشعر الجاهلي، الإسرائيليات والجواري 2\3

استعاد النحاة واللغويون البنى ما قبل إسلامية، وعملوا على استدماجها لتصير جزءً من الموروث الديني، والذي سيكتسب طابع القداسة مع الوقت.
كان الأمر خطأ منهجيا رافق علم التفسير منذ بداياته الأولى، وجعله مشحونا بحمولات بدوية مناقضة لما جاء به النص القرآني. وسيزيد الطينُ بلة مع تطور علم التفسير وانفتاحه على الإسرائيليات، أي الموروث الديني اليهودي الذي لجأ إليه الكثير من المفسرين أثناء تفسيرهم للقرآن، خاصة فيما يتعلق بالقصص القرآني “قصة الخلق مثلا“.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

تطرقنا في الجزء الأول من هذا الملف، إلى عملية جمع اللغة العربية، انطلاقا من لغة الأعراب التي انتقدها القرآن، في غير موضع؛ وكشفنا عن التناقض الثاوي خلف عملية الجمع هذه. في هذا الجزء، نشير إلى تناقضات أخرى طبعت هذه العملية.

لقد ترسخت اللغة العربية الأعرابية التي انتقدها القرآن، كأساس للعلوم الدينية، بقيام المفسرين باللجوء إلى الشعر الجاهلي لتفسير ما غمض من القرآن. جلال الدين السيوطي أورد في كتابه “الإتقان في علوم القران” ما يلي: “قال أبو بكر بن الأنباري: قد جاء عن الصحابة والتابعين كثيرا الاحتجاج على غريب القرآن ومشكله بالشعر”.

إضافة إلى ذلك، فقد روي عن عبد الله ابن عباس، وهو “حبر الأمة” حسب الأدبيات الفقهية، أنه كان يدعم تفسيره بأبيات من الشعر الجاهلي، وكان يقول “إذا سألتموني عن غريب القرآن فالتمسوه في الشعر. فإن الشعر ديوان العرب”. كما تحدثنا كتب التاريخ والفقه عن مناظرة بين عبد الله ابن عباس ونافع بن الأزرق –قائد الخوارج الأزارقة- استشهد خلالها عبد الله ابن عباس في أكثر من 200 مسألة بأبيات من الشعر الجاهلي.

اقرأ أيضا: مكانة المرأة العربية قبل الإسلام: الآلهة الإناث ورمزية تقديس الأنثى عند العرب 2/3

ومرة أخرى نجد أنفسنا إزاء تناقض صارخ، بين انتقاد القرآن بصريح العبارة للشعراء ولغتهم، في الآيات من 224 إلى 226 من سورة الشعراء، بقوله: “وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ لمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ” وبين استعانة عدد من المفسرين بالشعر… لتفسير القرآن. هنا نعود لنذكر بما أسلفناه سابقا من انتقاد القرآن للقول الأعرابي لتتم استعادته أثناء انتقاد الشعراء، وهو ما لم يتم أخذه بعين الاعتبار من طرف المفسرين والنحاة.

نخلص مما سبق إلى أن النحاة واللغويين قد استعادوا البنى ما قبل إسلامية، وعملوا على استدماجها لتصير جزءً من الموروث الديني، والذي سيكتسب طابع القداسة مع الوقت. يحق لنا هنا التساؤل عن موقع المرأة في هذه البيئة المتسمة بسيادة الذكورية وكل القيم البدوية… خصوصا أن اللغة هي مرآة وانعكاس للبيئة الثقافية والاجتماعية لمجتمع ما.

بالتالي، ألم يكن تفسير القرآن استعادة للأخلاق البدوية واضطهادا للمرأة ورِدّة حضارية وإنسانية صوب استعباد المرأة؟

كان هذا، من وجهة نظرنا، خطأ منهجيا رافق علم التفسير منذ بداياته الأولى، وجعله مشحونا بحمولات بدوية مناقضة لما جاء به النص القرآني. سيزيد الطينُ بلة مع تطور علم التفسير وانفتاحه على الإسرائيليات، أي الموروث الديني اليهودي الذي لجأ إليه الكثير من المفسرين أثناء تفسيرهم للقرآن، خاصة فيما يتعلق بالقصص القرآني “قصة الخلق مثلا“.

ولأن القصص الإسرائيلية تعبر عن حمولة فكرية وثقافية، فقد استورد المفسرون الإسلاميون المنظومة الفكرية والثقافية التوراتية التي يفترض أن القرآن جاء لنبذها.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي: الإسلام والحجاب: إخراج الآيات من سياقها – 2\3

المرأة كانت في طليعة المتضررين من هذه الاستعادة، حيث وجدت نفسها رهينة قراءات فقهية، بدوية وما قبل إسلامية ناتجة عن استعادة لبنيات ثقافية يفترض أن النص القرآني قد جاء لنبذها، فظهرت مفاهيم جديدة/قديمة فقهيا، لم تكن وليدة النص القرآني، كالعورة والفتنة، وأصبحت المرأة موضوع الاتهام بالفتنة والغواية ورأس الشر وجذره، وتحولت القوامة من قوامة مالية إلى قوامة مطلقة تغبن المرأة كل حقوقها، وتقوم على تسييد ثقافة ذكورية تنطلق من بيئات جافة وجلفة على نقيض تام بالمدنية والحضارة وثقافة الحضر والبيئة الفكرية التي ظهر فيها النص القرآني وانتشر داخلها.

وهنا يحق لنا التساؤل مرة أخرى، هل كان تشدد الفقهاء اتجاه المرأة مرده أساسا إلى استعادة لا شعورية للبنى ما قبل إسلامية؟ أم أنه ثمة عوامل أخرى شكلت الدافع إلى هذا التشدد إن لم نقل الاضطهاد؟ لمحاولة الإجابة على هذا السؤال، لابد لنا من استحضار معطى رئيسي وحاسم.

لقد تزامن عصر التدوين مع أوج العصر العباسي الذي تم خلاله وضع أصول الفقه كاملة، وقد عرف هذا العصر بعصر الجواري؛ حيث تميز بنفوذ استثنائي للنساء داخل بلاطات الحكم وخارجه، خاصة الجواري منهن، لدرجة أنه من بين 37 حاكما عباسيا، لم يكن منهم عربي الأم سوى 3 خلفاء هم: “أبو العباس السفاح، والمهدي بن أبو جعفر المنصور، والأمين بن هارون الرشيد”، في حين كان باقي حكام بني العباس أبناء جواري من أصول مختلفة.

اقرأ أيضا: الحريديم، الأكثر التزاما بالديانة اليهودية والأكثر تشددا على النساء. “طالبان” اليهود؟ 2/1

وهو ما كان مؤشرا على خروج النساء عن الإطارات المحددة لهن سلفا، ليلعبن دورا هاما على مسرح الأحداث السياسية والاجتماعية، فقد شكل أبو جعفر المنصور أول جهاز نسائي “استخباراتي”. الأخير أظهر نجاعة فعالة في التجسس على الأعداء واختراقهم… ولعل هذا ما جعل الفترة العباسية تتميز بنوع من الحرية والتسامح إزاء خروج المرأة للحياة العامة، حيث أصبح للنساء دور سياسي واستخباراتي أيضا، إضافة لباقي الأدوار الاجتماعية، وأصبح وجودهن في الشارع العام أمرا عاديا، وأثرن في السياسة، فقد عرف عن هارون الرشيد أنه لا يقطع أمرا دونما موافقة من أمه الخيزران أو زوجته زبيدة، وكذلك الأمين والمأمون وهلم جرا؛ حتى إن أم المقتدر تولت الخلافة علنا، وسيرت الدولة حتى بلغ ابنها الحلم، حيث أصبحت قاضية قضاة الاستئناف ببغداد، وعينت صديقة لها قاضية بإحدى المحاكم ببغداد، وكانت تعقد لها مجالس القضاء والحكم والتدبير.

كيف انعكس الأمر على الفقه، وألقى بظلاله عليه؟ هذا ما سيكون محور الجزء الثالث والأخير من هذا الملف.

لقراءة الجزء الأول: المرأة والفقه: القرآن ولغة الأعراب. أصل الحكاية… 1\3

لقراءة الجزء الثالث: المرأة والفقه: وكانت الغلبة… للفقهاء! 3\3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *