×
×

المرأة والفقه: القرآن ولغة الأعراب. أصل الحكاية… 1\3

النص القرآني انتقد مرارا وتكرارا الأعراب ولغاتهم، في أكثر من 10 آيات… انتقاد، لم يكن صادرا عن منطلقات قبلية أو إثنية، ولكنه ناتج عن رفض المنظومة الثقافية الاجتماعية للأعراب.
عكس هذا الانتقاد والرفض، سيعمل النحاة والمفسرون على استعادة اللغة الأعرابية بمنظوماتها الثقافية، التي رفضها القرآن بصريح العبارة، لتصبح أكثر من ذلك… موجهة للنص القرآني ومفسرة له.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

تتميز علاقة الفقه الإسلامي بالمرأة بتوتر دائم، إذ غالبا ما سعى الفقه إلى محاصرتها داخل سياجات مغلقة (الحجاب، الإرث، الشهادة، عمل المرأة…). بل إن كثيرا من الآراء الفقهية جنحت نحو الانتقاص المباشر من قدر المرأة واعتبارها مسؤولة عن كل الشرور التي تصيب الإنسان، لدرجة أصبحت تعتبر رمزا للشؤم عند البعض، وكالكلب أو الحمار عند البعض الآخر، وغيرها من التوصيفات التي تملأ كتب الفقه الإسلامي في شتى تخصصاته.

هنا نجد أنفسنا أمام سؤال ملح: هل يتعلق الأمر بمعطى إلهي؟ أم بقراءات فقهية/شخصية للنص الديني؟

شاهد أيضا: فيديو – نائلة السليني وإسلام البحيري في حديث عن المرأة، إسلام النص وإسلام الفقهاء 

لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال، سننطلق من معطى أساسي وهو أن النص القرآني (كباقي الكتب الدينية) نص غزير المعاني، متعدد القراءات والتأويلات، التي يمكن أن تجنح به من أكثر الآراء تطرفا نحو أكثر الآراء تسامحا، دليلنا في ذلك تعدد التفاسير وتناقضها في أحيان كثيرة، حتى تصير كأنها تناقض بعضها، وهو ما سنقف عنده في مساهمات قادمة.

إذن، لمحاولة فهم العلاقة الملتبسة بين المرأة والفقه، وبالأخص علم التفسير، لابد من العودة إلى اللحظات التأسيسية للفقه الإسلامي، منطلقين من لحظات انبثاق علم التفسير باعتباره الأساس الذي بنيت عليه ما يمكن أن نسميه بـ”المعرفة الإسلامية”، والذي أسس التصورات الفقهية للمرأة، وسنرجع بالضبط إلى لحظة التدوين باعتبارها الإطار المرجعي للثقافة الإسلامية.

انطلاقا من القرن الثاني الهجري، ستنطلق حركة تدوين وجمع وتقعيد اللغة العربية، وهو أمر أملته حاجات عدة: أهمها الحاجة إلى حفظ اللغة العربية من الضياع أو اللحن، وبالتالي ضياع اللغة القرآنية، خاصة بعد أن توسعت طبقة المستعربين الذين دخلوا تحت جناح الإمبراطورية الإسلامية.

اقرأ أيضا: رئيساتٌ مسلمات… لماذا لا نجد بينهن عربيات؟

لهذا، نجد أن أول معجم صنف في التاريخ الإسلامي، كان “معجم العين” الذي صنفه الفراهيدي (100 هـ170 هـ – 718م 786)، لأجل شرح “غريب القران”. كل المحاولات التي تبعته، كانت تهدف إلى حفظ لغة القرآن من الضياع ومن أن تداخلها لغات أخرى، فيضيع المعنى بضياع اللغة؛ إذ غني عن البيان القول إن جهود المفسرين اتجهت أساسا صوب بيان معاني القران، وكشف غريب ألفاظه ومعانيه، وما أشكل على الناس.

المفسرون كانوا دائما يركزون على الألفاظ أكثر من المعاني، وأغلبهم ينظر إلى النص القرآني وآياته كوحدات مستقلة (سنخصص، لاحقا، مساهمة لهذا الموضوع والأخطاء المنهجية المرتبطة بعلم التفسير).

ولأن المدن والحواضر قد خالطتها لغات أعجمية، فقد اتجهت جهود النحاة واللغويين إلى جمع لغة الأعراب، حيث تم تقعيد اللغة العربية وتحديد معانيها على أساس لغة الاعراب، وهو ما سيتم انطلاقا من اللغة البدوية الأعرابية التي لم تداخلها لغات ولهجات أخرى.

وهنا نجد أنفسنا إزاء تناقض خطير، ذلك أن النص القرآني انتقد مرارا وتكرارا الأعراب ولغاتهم، في أكثر من 10 آيات ومن ذلك قوله في الآية 97 من سورة التوبة: “الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم”، وفي الآية 11 من سورة الفتح: “سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم” وفي الآية  14 من سورة الحجرات: “قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا”.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي: ملامح من تسامح المجتمع التقليدي في قضايا الشرف

 يستوقفنا هنا انتقاد القرآن في أكثر من موضع للقول، أي الكلام أو الخطاب الأعرابي والمتميز بافتقاده للمصداقية. ولعل هذا ما يبرر ما روي عن النبي من قوله “لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية”…

وهذا ما يجعلنا نتجه إلى القول بأن هذا الرفض للبداوة لم يكن صادرا عن منطلقات قبلية أو إثنية، ولكنه ناتج عن رفض المنظومة الثقافية الاجتماعية للأعراب، والمتسمة بالجلف والخشونة. يؤكد هذا المعطى ما أورده الفارابي عندما تحدث عن الأعراب الذين أخذت منهم اللغة العربية ومعانيها وألفاظها، فقال: “كانت صنائع هؤلاء التي بها يعيشون الرعاية والصيد واللصوصية، وكانوا أقواهم نفوسا، وأقساهم قلوبا، وأشدهم توحشا، وأمنعهم جانبا، وأشدهم حمية، وأحبهم لأن يغلبوا ولا يغلبوا، وأعسرهم انقيادا للملوك، وأجفاهم أخلاقا، وأقلهم احتمالا للضيم والذلة”.

هذه إذن هي أخلاق وبيئة من أخذت عنهم اللغة العربية، ووضعت في المعاجم، وبنيت على ضوئها التفاسير، وكثير من “المعارف الإسلامية”. وهنا جوهر التناقض مع النص القرآني، الذي نشأ في مكة، أحد أهم المراكز التجارية في شبه الجزيرة العربية، والتي تعرف تنوعا اجتماعيا وفكريا مهما؛ ثم تطور في يثرب “المدينة” كمنطقة جغرافية تتميز بخصوصيات متعددة على رأسها التنوع الإثني.

بمعنى آخر، نقول إن النحاة والمفسرين استعادوا اللغة الأعرابية بمنظوماتها الثقافية، التي رفضها النص القرآني بصريح العبارة، بل أصبحت هذه اللغة موجهة للنص القرآني ومفسرة له.

 

لقراءة الجزء الثاني: المرأة والفقه: بين الشعر الجاهلي، الإسرائيليات والجواري 2\3

لقراءة الجزء الثالث: المرأة والفقه: وكانت الغلبة… للفقهاء! 3\3

تعليقات

  1. طاهر

    الاعرابي صانع العالم العربي صدق الراحل العظيم محمد عابد الجابري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *