×
×

محمد عبد الوهاب رفيقي: المحتسبون الجدد

استغربت حين قام عدد من “المشايخ” المغاربة  وغيرهم بتأسيس هيئة عالمية للاحتساب، يراقبون فيها كل ما يصدر عن الحكومات والأفراد، عبر إصدار بيانات تنديدية وتوصيات سياسية فيما يسمى بالنهي عن المنكر الفكري والسياسي والاجتماعي، وهم في ذلك يسلطون سيف الشريعة على كل من جاهر برأي آخر، أو انتقد مدرسة فقهية، أو مارس حريته في الفكر أو العبادة أو غيرها من الأمور.
لا يمتلكون الآن قدرة على الممارسات الفعلية على أرض الواقع بالضرب والتكسير والمنع، كما كان سائدا في أفغانستان أيام طالبان وداعش، لكن تصورهم النهائي لشكل الاحتساب فقهيا يطابق تلك التصرفات.

أثار فيلم “الإخوان”، المعروض بالقاعات السينمائية مؤخرا، ضجة كبيرة، وتلقى سيلا واسعا من الانتقادات، ولعل ذلك من أسباب تهافت الناس على مشاهدته وامتلاء القاعات التي تعرضه عن آخرها، لكن كل تلك الضجة لا تتعلق بالقيمة الفنية للفيلم، ولا تناقش الكتابة ولا التصوير ولا الإخراج، وهو حق مكفول للجميع من النقاد إلى الجمهور وكل من خصص جزءا من وقته أو ماله لمتابعة الفيلم، لكنها صادرة للأسف من بعض من سموا أنفسهم شيوخا، أقاموا الدنيا ولم يقعدوها بمجرد ظهور إعلان الفيلم و قبل مشاهدته، وزعموا أن الفيلم يتضمن إساءة للدين وأنه يجب منعه ومنع الناس من متابعته.

لن أدخل في تفاصيل ما ذكروه، ولن أتولى مهمة الرد على الحملة، فما نراه من إقبال على الفيلم كاف للرد، لكن أود التنبيه لموضوع أعمق من ذلك بكثير، وهو أن مثل هذه الحملات ليست إلا جزءا من المهمة التي يرى هؤلاء الشيوخ أنهم مكلفون بها، وهي مهنة الاحتساب، ويقصدون به تنزيل ما وردت به النصوص القرآنية والحديثية، من الحديث عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكيف ترى هذه التيارات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، ولماذا يرون في أنفسهم محتسبة العصر؟

يترسخ بشكل متزايد مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الحركات السلفية، كأداة فعالة للحد من “الفساد المجتمعي”، والحفاظ على صورة نقية للمجتمع، مجتمع ملائكي طاهر، يسوده العدل والإخاء، وتحكمه الشريعة الإسلامية التي ستأخذه نحو رخاء اقتصادي كبير.

لاشك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وارد في الكتاب العزيز كمفهوم قرآني حاضر بقوة من خلال الأمر الإلهي: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر”، إذ كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المحصلة النهائية دعوة إلى الخير بما هي منع للظلم والتسلط والغش، وإشاعة لكل قيم الخير والمعروف.

بل إن بعض الفقهاء يعتبرونه مفهوما محوريا في الإسلام، حيث يقول الغزالي: “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل الدين، وأساس رسالة المرسلين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله، لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفوضى، وهلك العباد”.

لكن مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخذ شكلا تاريخيا خاصا، حيث أصبح يعني من ناحية العرف إراقة الخمر وكسر الآلات الموسيقية ومراقبة سلوك الناس في الشوارع، ثم ليتخذ شكل مراقبة الأفكار والآراء أيضا، على النحو القائم في بعض الدول الإسلامية إلى اليوم.

استغربت حين قام عدد من “المشايخ” المغاربة  وغيرهم بتأسيس هيئة عالمية للاحتساب، يراقبون فيها كل ما يصدر عن الحكومات والأفراد، عبر إصدار بيانات تنديدية وتوصيات سياسية فيما يسمى بالنهي عن المنكر الفكري والسياسي والاجتماعي، وهم في ذلك يسلطون سيف الشريعة على كل من جاهر برأي آخر، أو انتقد مدرسة فقهية، أو مارس حريته في الفكر أو العبادة أو غيرها من الأمور. لا يمتلكون الآن قدرة على الممارسات الفعلية على أرض الواقع بالضرب والتكسير والمنع، كما كان سائدا في أفغانستان أيام طالبان وداعش، لكن تصورهم النهائي لشكل الاحتساب فقهيا يطابق تلك التصرفات.

لم يتساءلوا يوما عن علاقة مفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحريات الفردية، ولا فكروا في ذلك أصلا، السبب راجع إلى مدى اقتناعهم بمفهوم الحرية، والواقع أنه لا يهمهم على الإطلاق، لم يتساءلوا يوما عن الشكل التراثي لممارسات الحسبة هل هي إنتاج تاريخي محض مشروط بالزمان والمكان أم ذات طابع ديني مقدس؟

مجددا، للأمر علاقة وطيدة بالشكل المعاصر للدولة: هل هي دولة تحمي الدين أم دولة تحمي حقك في ممارسة التدين؟

كان المحتسبون في الماضي يكونون جهازا إداريا مستقلا عن القضاء، مهمتهم تغيير كل ما يرون أنه غير مقبول في الشريعة الإسلامية، التغيير يتخذ في أحيان كثيرة شكلا عنيفا، وفي أحيان أخرى يكون رفيقا حسب الظروف والأشخاص.

وقد امتدت هذه الممارسات لتطال النواحي الفكرية، كطرد الفلاسفة، وحرق الكتب التي يُعتقد أنها مخالفة للإسلام، والاعتداء الجسدي على بعض الأشخاص الذين تثبت في حقهم “مخالفات شرعية”، الأمر الذي كان ينتج، ولا زال، مجتمعات يتفشى فيها النفاق ببطء، ويسود فيها التسلط الفكري، مما لا يبقى معه أي مجال للحديث عن إسلام الحرية والرحمة والعدل.

لقد اتخذ المفهوم في أحيان كثيرة شكلا مرادفا لقمع الحريات، وغصب الآخرين على ما يراه المحتسب من أحكام، فمحتسب لا يرى الموسيقى حراما يترك محلات بيع الآلات، وآخر يحرمها سيطالب بتكسير الآلات وإيقاع العقاب على البائع.

يقولون ليس للمحتسب الاحتساب في المسائل الخلافية، إذ لا إنكار في مسائل الخلاف، ترى… من يحدد ماهي المسائل الخلافية ابتداء؟ ما هو خلافي عند طائفة غير خلافي عند طائفة أخرى، ثم هل هذه الممارسات تحفظ الإسلام كما يدعون، أم أنها آلية قوية لإنتاج مجتمع منافق، يخاف العقاب ولا يعرف لحرية الضمير سبيلا؟

أعتقد أن الدولة اليوم، بما هي دولة قطرية مدنية تمثل المؤسسات فيها سلطة أعلى من الأفراد، لا علاقة لها بتدبير الشأن الديني، ومراقبة الناس فيما يقولون وما يتركون. يقر المذهب المالكي نفسه، أن الحاكم لا دخل له في العبادات، والشريعة تقوم أساسًا على الوازع الإيماني وليس الوازع السلطاني، وكل محاولة لفرض تصور خاص على عموم الشعب يعتبر أول الطريق نحو التفكك السياسي وانتشار الحروب الطائفية.

في دول كالعراق ولبنان والبحرين وسوريا وغيرها، من سيحتسب على من؟ تتنوع الفسيفساء الطائفية تنوعا كبيرا، وبقدر ما يشكل ذلك ثراء للمجتمع، بقدر ما يشكل خطرا إن لم يحسن الفاعلون السياسيون التعامل معه.

إن الممارسات التراثية المتعلقة بالحسبة الفكرية والاجتماعية لا تؤدي إلا إلى تشنج سياسي واضطراب مجتمعي خطير، الطوائف والكيانات التي تشعر بالتهديد وأنها واقعة تحت سلطة كيان أو سلطة أخرى، تنكفئ على نفسها لتنتج خطابات متطرفة مهلكة، وهنا مكمن الخطر الذي يجب التنبه له، حتى نتصدى جميعا لمن يريد أن يمارس علينا الحسبة، وأن يعين نفسه وصيا على اختياراتنا وسلوكياتنا الفردية.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *