×
×

محمد علي لعموري يكتب: مثلوفوبيا… حين يتهم المثليون بالتكاثر!

العبارة إياها… تشي بكون هذا الانفتاح والظهور النسبي للمثليين ولمجتمع الميم على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى مواقع الدردشة والبحث عن الصداقة، قد أثار حفيظة صنف من حراس النزعة الذكورية، وصنف آخر من المثليين المفترضين أو موقوفي التنفيذ الذين يدارون ميولهم سواء المثلي أو مزدوج الجنس…

محمد علي لعموري

لي صديق مثليٌ… شغوف بالبحث عن المتعة الجنسية بشراهة. ربما ارتفاع منسوب شبقيته، وإقباله على الجنس بكثرة، قد يسبب له بعض المتاعب مستقبلا.

هذا الصديق يقتسم معي خصوصياته ويطلعني على ما يخفيه عن الآخرين من مغامرات جنسية، وما يصادفه من مشاكل مع من يرفضون أن يكون بينهم مثليون يعيشون حياتهم في سلام، ويستمتعون مع نفس الجنس كما يستمتعون هم مع الجنس “اللطيف”.

مما حكاه لي هذا الصديق، أنه كلما تحدث إلى شخص، في إطار الدردشات على مواقع البحث عن الصداقة أو عن الشريك الجنسي أو عن علاقات مطولة تجمع ما بين الحب والجنس، لا بد أن يصادف أشخاصا يكرهون المثليين… وأنه كلما كشف هذا الصديق عن هويته الجنسية المثلية، وجد سبا وقذفا وتهكما وتهديدا بالاعتداء، قد يصل حد التهديد بالقتل لو أتيحت للشخص الكاره للمثليين الفرصة.

ومما باح لي به، ما صدر عن هؤلاء “المثلوفوبيين” من عبارات تكررت كثيرا من طرف أكثر من شخص واحد، فلا يتردد هؤلاء المتعصبين لذكوريتهم؛ التي هي ذكورية المجتمع الذي يمثلونه أسوأ تمثيل؛ في القول للشخص الذي كشف لهم عن ميوله الجنسي المثلي: ” كثرتوا يا ولاد ط-(ق)-حاب”.

اقرأ أيضا: أحمد المهداوي يكتب: سارة حجازي… اغتيال في منتصف الطريق نحو الحب

فماذا تعني هذه العبارة في تمثلات هؤلاء الرافضين لوجود المثليين بين ظهرانيهم ؟ وعلى ماذا تدل في منطق الذكورة التي ينزع منها هؤلاء للهجوم على المثليين؟ وما الخلفية الثقافية التي تحرك مثل هذه العبارات وشبيهاتها في أن تجد لها صدى متكررا عند أكثر من شخص واحد؟

العبارة إياها دليل على وصم Stigmatisation وعلى تمييز Discrimination وعلى عنف لفظي، وعلى تهديد ضمني، ورغبة في ترتيب  عنف مادي محتمل على هذا المثلي الموصوم بتلك العبارة ، وهو تعبير صريح عن كراهية ممنهجة ومتأصلة ثقافيا، تجاه فئة تعيش داخل مجتمع ذكوري لكن… ليس في سلام بل في جو فيه كراهية وتهديد وعنف بأشكاله المتنوعة.

العبارة إياها تشي بكون هذا الانفتاح والظهور النسبي للمثليين ولمجتمع الميم على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى مواقع الدردشة والبحث عن الصداقة، قد أثار حفيظة صنف من حراس النزعة الذكورية، وصنف آخر من المثليين المفترضين أو موقوفي التنفيذ الذين يدارون ميولهم سواء المثلي أو مزدوج الجنس…

العبارة إياها تقول إن… المثليين قد تكاثروا، وكأنهم يتوالدون! والحال أن البطن النسائي، التي أنجبت مغاير الجنس (Hétérosexuel) هي نفسها البطن التي أنجبت المثلي، مع التأكيد دوما، أن في نفس الأسرة الواحدة، قد يولد توأم أو أخوان، أحدهما قد يكون مثليا والآخر ينشأ غيريا، علما أنهما خرجا إلى الحياة من نفس البطن وتربيا ونشآ في نفس البيئة ورضعا من نفس الثدي… وارتويا من نفس الحليب الأمومي.

العبارة العنيفة الواصمة إياها، تمتح من نفس الثقافة الذكورية، التي تمجد نظاما معينا يقوم على إعلاء قيمة الذكور واسترخاص قيمة الإناث، ولا يقبلونهن إلا في إطار نمطي معين يدل على الهيمنة الذكورية والتبعية النسائية لهذا النظام…

اقرأ أيضا: من الولايات المتحدة الأمريكية، نادر تادرس يكتب: شعارات السيناتور كريج… حكاية لا علاقة لنا بها!

بالتالي… فذهنية غير المثلي، تكون قد تشربت باكرا هذا التمييز على أساس النوع الاجتماعي، وعلى أساس التنميط الذكوري للعلاقة بين الجنسين داخل المجتمع الواحد، وهذا التنميط يكون محرك كل هجوم على أي محاولة أو ترنح باتجاه زعزعة هذا النظام وهذا التنميط الراكب عليه، فترى الذين يستقصدون المثليين بتلك العبارة، يحاولون دق ناقوس الخطر إن برز نجم قوس قزح مرفرفا هنا وهناك، يصدح بضرورة القبول بالاختلاف سبيلا لبناء مجتمع متعدد يضم جميع الحساسيات والميولات والأفكار والإيديولوجيات… الخ.

العبارة إياها… تدل في ظاهرها على شجب الكثرة التي أصبح عليها مجتمع الميم، عندما تطل رؤوس جريئة للتعبير هنا وهناك عن حق الوجود وحق الحرية في التعبير عن هذا الوجود. لكن تلك العبارة تحوي تخلفا يترنح وسطه ذاك المنطق الذكوري الأهوج والمتجاوز، لأنه يتوخى الحفاظ على نفس الثقافة القامعة لتلك الفئة، التي مهما تكاثرت وتزايد عددها، ستظل أقلية مقارنة مع القاعدة العامة، التي منها يصدر هذا الحكم المسبق وكل هذا الوصم والتمييز وهذا العنف الرمزي والمادي، الذي ينم عن جهل وعن أنانية ذكورية وعن خوف من كل نمط جديد يسعى لحلحلة الراكد وتطعيم الحياة الجنسية بروح التعدد والاختلاف والقبول بهما.

العبارة إياها… تكتنز عنفا تلقائيا يسعى للهجوم، كأحسن وسيلة للدفاع، عن “الستاتيكو” القائم والذي يراد به إخفاء ما ظل متواجدا كمكون من مكونات مجتمع، الغالب فيه هو المنطق الذكوري، وطبعا… سيحتاج جيل آت إلى تربية جديدة، تقطع مع ما ورثه من نمط في التمثل وفي السلوك، سواء داخل البيت، حيث التمييز على أساس الجنس والأفضلية الذكورية، وفي الشارع، حيث يراد من النساء “التغطي” وحجب الجسم والشعر، وفي المدرسة والتعليم عامة، حيث المناهج لا تحوي التربية على التعدد والاختلاف وعلى تقديس الحرية والحث على الحوار، وذلك لإعداد جيل متشرب لكل ما من شأنه القبول بالاختلاف سواء في الجنس أو المعتقد أو في اللون… أو في الميول الجنسي أو في الأفكار السياسية.

اقرأ أيضا: مرايانا تناقش المثلية الجنسية كموضوع للتفكير: مرض أو جريمة؟! (الجزء الأول)

لهذه الحيثيات التي أتينا على ذكرها، يمكن القول إن عبارة: “كثرتو يا ولاد ط-(ق)-حاب” ما هي إلا الوجه الأخلاقي والتربوي لأصحابها، والصورة الذهنية لجيل كامل من الشباب الذي تربى على النمطية الذكورية التي لا تستسيغ النمطية المثلية ذات التنوع من داخلها والتي يجسدها مجتمع الميم. *

 

 

*: مجتمع الميم هو تلك الفئات التي تضم: مثليي الجنس ومزدوجيه ومتحوليه والعابرين والعابرات… إلخ

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *