×
×

عبد الإله إصباح يكتب: تحرير الإسلام من الأصولية

يمكن القول إن الإسلام السائد حاليا هو إسلام الحركة الأصولية، بما هو إسلام سياسي ارتبط في نشأته بدوافع سياسية…
استمر الترابط بين هذا الإسلام والسياسة في جميع المراحل ومختلف السياقات، سواء داخل مصر أو خارجها. رغم اختلاف سياقاته الزمنية من دولة عربية إلى أخرى، إلا أن ما يوحد هذه السياقات، هو لجوء العديد من الأنظمة العربية لخدمات الحركة الأصولية كلما وجدت نفسها مهددة بتنامي الوعي الشعبي ومد التيارات الديمقراطية والتقدمية.

أدى صعود الأصولية وتغلغلها في البلدان العربية منذ سبعينيات القرن الماضي إلى إقامة نوع من التطابق بينها وبين الإسلام، حتى أصبح التفريق بينهما غير ممكن، خاصة لدى الشرائح الواسعة من الشعب ذات التكوين الفكري والثقافي المحدود.

يرجع هذا الأمر إلى كون أجيال متعاقبة من هذه الشرائح، تلقت معرفتها بالإسلام من قنوات التأطير التي تهيمن عليها هذه الحركة أو من قنوات التنشئة الاجتماعية للدولة، التي أصبحت بدورها مخترقة من طرف أتباع الحركة ومريديها، بفعل تساهلها وتواطؤها أحيانا معها لمحاصرة القوى اليسارية والتقدمية.

بذلك، أصبحت المدارس والجامعات رافدا أساسيا للحركة، فزاد ذلك من انتشارها وهيمنتها على وعي الناس وتصورهم للإسلام، ومن تم أصبحت تحتكر تمثيله والنطق باسمه.

أدى كل ذلك إلى خلق وضع، أصبح معه كل نقد يوجه للحركة بمثابة تطاول على الإسلام ورموزه، وهو ما مكن تيارات الإسلام السياسي من أداة لقمع كل الأصوات المنتقدة، من خلال توجيه سلاح التكفير لكل معارض لرؤيتهم وتوجههم الرجعي.

لقد أصبح حديثها باسم الإسلام احتكارا له وسطوا عليه. بفعل ذلك، غدت كل محاولة لتحديث المجتمع تواجه صعوبات وعراقيل متعددة، لكثرة الخطوط الحمراء التي تمنع أي زحزحة لما هو سائد من أوضاع ومعتقدات، فأدى ذلك إلى جمود تلك الأوضاع وجعل من الصعب تجاوز النمط التقليدي للمجتمع، سواء على صعيد الدهنيات أو العلاقات الاجتماعية.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي العلوي يكتب: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

يمكن القول إن الإسلام السائد حاليا هو إسلام الحركة الأصولية، بما هو إسلام سياسي ارتبط في نشأته بدوافع سياسية، تمثلت في محاصرة المد الشعبي للثورة المصرية بقيادة سعد زغلول سنة 1919، وكان للمخابرات البريطانية الدور الكبير في هذه النشأة عندما احتضنت حسن البنا ووفرت له سبل الدعم ووسائل الانتشار.

استمر الترابط بين هذا الإسلام والسياسة في جميع المراحل ومختلف السياقات، سواء داخل مصر أو خارجها. رغم اختلاف سياقاته الزمنية من دولة عربية إلى أخرى، إلا أن ما يوحد هذه السياقات، هو لجوء العديد من الأنظمة العربية لخدمات الحركة الأصولية كلما وجدت نفسها مهددة بتنامي الوعي الشعبي ومد التيارات الديمقراطية والتقدمية.

وقع ذلك في مصر عهد السادات لمواجهة التيارات اليسارية والناصرية، فأطلق بعبع الإخوان المسلمين من السجون، ووفر لهم الدعم اللازم، إلى أن تحققت لهم الهيمنة التامة على المجتمع، وكان هو أول ضحية لهم، عندما اغتالوه في حادث المنصة الشهير.

وحدث نفس الأمر بالمغرب وغيره من الدول العربية، وإن اختلف الإخراج في بعض التفاصيل التي يقتضيها التلاؤم مع السياق الخاص. والمهم في كل ذلك، هو اللجوء للوصفة نفسها، التي في ما يبدو، ترتكز على توصية للدوائر الخارجية التي يخيفها إي تغيير ديمقراطي يهدد مصالحها.

أصبح مطروحا إذن على القوى الديمقراطية والتنويرية، فك الارتباط بين الإسلام والأصولية، بتحريره منها ومن هيمنتها عليه واحتكار تمثيله. وهو جهد يتطلب وقتا طويلا ومثابرة بدون كلل أو تقاعس، وقد يستغرق هذا المجهود أجيالا، قبل أن تظهر ثماره ويترسخ مفعوله على أرض الواقع ويتجسد على مستوى الرؤى الذهنية وفي أنماط السلوك وطرق العيش.

والواقع أن هذا المجهود يتجاوز إمكانيات الأفراد بالرغم من قيمة ذلك وأهميته. إنه يحتاج دعم قوى سياسية نافذة ومؤثرة، بل ينبغي أن يكون هذا المجهود مندرجا ضمن مشروعها للتغيير والنهضة والتقدم. ولا نبالغ إذا قلنا إن ذلك يتطلب في الواقع، إمكانية دولة تأخذ على عاتقها تحقيق هذا المشروع ذي الأبعاد الاستراتيجية في الانتقال من مجتمع يرزح تحت وطأة التقليد إلى مجتمع يعانق الحداثة في كل أبعادها.

اقرأ أيضا: التكفير والتطرف… من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب. أصل المأساة!

إن القوى التنويرية التي تأخذ على عاتقها تحرير الإسلام من الأصولية، ينبغي أن يكون واضحا لديها أن هذا التحرير سيعني في الجوهر، إحداث قطيعة بين الإسلام والسياسة، بحيث يصبح غير تابع لأي سلطة، سواء سلطة القوى السياسية المهيكلة والنافذة، أو سلطة الدولة نفسها. إن الغاية البعيدة لذلك، هي جعل الإسلام خارج أي سلطة وخارج نطاق الشأن العام، لكي تصبح علاقة الفرد به علاقة متحررة من أي إكراه، بل قائمة على الاختيار والاقتناع الذاتي الحر، ولا دخل لأي سلطة في هذه العلاقة الحرة بين الفرد ومعتقده، لأنها علاقة تندرج ضمن ما هو خاص في حياته ونمط عيشه.

إن الانتقال بالإسلام من نطاق ما هو عام إلى ما هو خاص، لا يمكن أن يتحقق إلا في إطار دولة غير منحازة لأي دين، دولة تلتزم الحياد بين الأديان والمعتقدات، وتحرص على  حماية حرية الفرد، باعتبار ذلك يشكل إحدى وظائفها الأساسية والجوهرية من منظور الحداثة كرؤية ومشروع مناهض للأصولية في جميع تجلياتها وأشكال تواجدها، لأن الصراع ضد الأصولية، هو صراع ضد تصور للدولة يناهض الحرية ويكرس وصايتها على الفرد في جميع المجالات، وخاصة مجال المعتقد الذي من خلال وصايتها عليه، تتحكم في الأفراد وتخضعهم لسيطرتها المطلقة.

هي معركة إذن لا يمكن تصور الانتصار فيها دون العمل على خلق الفرد المعتد بفرديته، فرد يكون الشعور بكرامته وقيمته متأصلا فيه منذ النشأة، في إطار تنشئة اجتماعية رسخت فيه ملكة استخدام العقل وتنمية حسه النقدي الذي يحميه من الوقوع في شباك الأصولية، وعموم حركات الإسلام السياسي التي تعمل على التغييب التام لكل فكر عقلاني يقوم على التشكيك والتساؤل، لأن غرض الحركة الأصولية هو خلق أتباع عبارة عن قطيع يسمع ويتلقى دون أن يناقش، ينضبط وينفذ دون مراجعة وتدبر. فالفرد المثالي بالنسبة للحركة الأصولية هو الفرد المرتاح والمستكين لمعتقداته و ليقينياته المطلقة.

والحقيقة إن مشروع تحرير الإسلام من الأصولية لا يقتصر فقط على تحرير أطر التنشئة الاجتماعية والفكرية من قبضة الأصولية وتأثيراتها الفكرية، بل ينبغي أن يمتد إلى تحرير تاريخ الإسلام من القراءات التي أغرقته في المنظور الأسطوري للأحداث والوقائع، وسيجت قراءة النص بتفاسير مغرقة في المحافظة ومعادية للتجديد والاجتهاد. تفاسير تقصي كل قراءة للنص مناصرة للحرية واحترام الاختلاف وعدم الإجبار والإكراه في مجال الاعتقاد، مستندة في ذلك على آلية ما سمي بالناسخ والمنسوخ لإبعاد أيات “لا إكراه في الدين” و” من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر” وغيرها من الآيات التي تنتصر للاختيار الشخصي والاقتناع الذاتي الحر.

اقرأ أيضا: ما الذي تغيّر في “الإسلام” حتى يُغيّر بعض الشيوخ رأيهم نحو التطبيع؟

جوهر ما قامت به الحركة الأصولية، هو أنها ارتكزت على هذا التراث المحافظ وكرسته في ترويجها للإسلام الذي تدعو إليه. إنها في الواقع، انتصرت لفريق في الصراع الفكري والثقافي الذي عرفته مرحلة من التاريخ الإسلامي، انتصرت لفريق الانقلاب السني الذي استولى على السلطة وأقصى فريق أهل الرأي المتمثل في العديد من التيارات الكلامية وعدد من الفلاسفة الذين تعرضوا للتهميش والاضطهاد، فكان من الطبيعي، أن يحتل الغزالي وابن تيمية مكانة مركزية في المرجعية الفكرية للحركة الأصولية، ولذلك أصبح تكفير المفكرين والمثقفين نهجا ثابتا لدى هذه الحركة، بما أنها تعادي التجديد والاجتهاد وترفض أي قراءة لتاريخ الإسلام مغايرة ومختلفة عن قراءتها، لأنها تدرك أن هيمنتها الإيديولوجية غير ممكنة إلا بسيادة وترسخ تلك القراءة كحقيقة وحيدة ومطلقة، وكل خروج عنها أو تجاوز لها، هو خروج عن جوهر الإسلام نفسه.

الحركة الأصولية إذن، تستوعب أن احتكارها النطق باسم الإسلام وتمثيله، يستلزم منها الحرص على أن يكون كل فهم للإسلام مندرجا ضمن فهمها الخاص له، سواء كتاريخ أو معتقد أو سلوك أو بروز جسدي على مستوى المظهر واللباس.

لا شك إذن أن تحرير الإسلام من قبضة الأصولية شرط ضروري لتحقيق الانتقال من التقليد إلى الحداثة، إنه تحرير يندرج ضمن مشروع للإصلاح الديني، الذي بدونه، يتعذر الخروج من زمن الانحطاط الذي ولجناه منذ قرون… ولم نخرج بعد من أسره ووطأته.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *