×
×

العصر الذهبي للدولة الإسلامية… التاريخ الديني 1/4

التاريخ الديني للدولة الإسلامية حافلٌ بالاختلاف المذهبي والعقدي والاقتتال الطائفي، فمع نهاية جيل الصحابة، بدأت تتناسل الأفكار الكلامية والخوض في المسائل العقدية، ثم ما فتئ عود الفرق الإسلامية يشتد، والخلاف بينها يتسع، حتى أضحت عصية على الحصر والاستقصاء…
لكل فرقة مذهبها في الاعتقاد ومنهجها في تأويل الآيات والأحاديث، وكل مدرسة كلامية ترى أنها أولى بالحق من غيرها، وقد بلغ من شدة الاختلاف أنك تجد الفرقة الواحدة، تنشطر الى فرقٍ صغيرة في تَشَظٍّ لا نهائي وتبديع وتفسيق، بل وحتى تقتيلٍ وسجن وتنكيل متى ما وافقت تمكينا سياسيا.

حسن الحو

يَحِّنُّ الإسلاميون في أدبياتهم وشعاراتهم السياسية ومجامعهم العامة والخاصة إلى العصر الذهبي للإسلام، فلا تجد مسلما ملتزما لا يحلم بعودة الخلافة وتطبيق الشريعة. والحنين إلى عصرٍ ذهبي للإسلام أشبه ما يكون بالدولة الفاضلة حيث يسود العدل والعدالة الاجتماعية وتنعم الأمة بفيض الخيرات، وتقهر جيوشها الأعداء وتؤمِّن السُبل البرية والبحرية وتُسَيِّر الجحافل الجرارة لحكم الشعوب واحتلال أرضها باسم الله وتنفيذا لشرع الله.

لكن السؤال الذي لا يتبادر لذهن أولئك الحالمين بعظمة الماضي هو: أي عصر ذهبي يودون بعثه من ركام التاريخ واستنهاض أمجاده من عتمة الماضي؟ وأية حقبة زمنية من تاريخ المسلمين كانت بحق رافعة من شأن الحقوق الإنسانية كما هي متعارف عليها بعد قرون من تطور القيم البشرية والمعاناة المريرة من أجل إرسائها؟
ولا بأس أن نعرض لأولئك المنعزلين عن الواقع، المغتربين بأفكارهم عن مسار الحضارة، كبسولةً مُرَكَّزةً ومُختزلةً من التاريخ الباهر الذي يسعون لاستعادة عظمته، لعلنا نساعدهم على اختصار الزمن، وندفعهم لنزع هالة التقديس عن تاريخ الدول الاسلامية.

1 – التاريخ الديني

التاريخ الديني للدولة الإسلامية حافلٌ بالاختلاف المذهبي والعقدي والاقتتال الطائفي، فمع نهاية جيل الصحابة، بدأت تتناسل الأفكار الكلامية والخوض في المسائل العقدية، ولعل قصة الخليفة “عمر بن الخطاب” مع “صبيغ بن عسل” وابنه “عبد الله” مع “معبد الجهني” البصري، خير دليل على ذلك…

اقرأ أيضا: أبو العباس “السفاح” ونبش قبور بني أمية… حكاية “إعدام” الموتى!

ثم ما فتئ عود الفرق الإسلامية يشتد، والخلاف بينها يتسع، حتى أضحت عصية على الحصر والاستقصاء… لكل فرقة مذهبها في الاعتقاد ومنهجها في تأويل الآيات والأحاديث، وكل مدرسة كلامية ترى أنها أولى بالحق من غيرها، وقد بلغ من شدة الاختلاف أنك تجد الفرقة الواحدة، تنشطر الى فرقٍ صغيرة في تَشَظٍّ لا نهائي وتبديع وتفسيق، بل وحتى تقتيلٍ وسجن وتنكيل متى ما وافقت تمكينا سياسيا، كاعتناق “المأمون” لمذهب المعتزلة وفرضه على الناس بالقوة والترهيب. وقد استُغِل الخلاف الديني في أحايين كثيرة لتصفية الحسابات السياسية كذبح “خالد بن عبد الله القسري” “للجعد بن درهم”، ونَسْف أي معارضة سياسية بتهمة الخروج أو التشيع.

أما إذا وَسَّعْنا دائرة الضوء، لتشمل الاختلاف الفقهي والحديثي، فالمصيبة أطَمُّ وأكبر، فقد تعددت المذاهب الفقهية وتناحرت فيما بينها وتهاجرت بسبب الاختلاف حول مسائل فقهية فرعية، كما كثر الوضع في الحديث لأسباب شُعُوبية وسياسية… وظهرت المدارس الحديثية واختلفت فيما بينها في التصحيح والتضعيف والتجريح والتعديل، وأُلِّفت آلاف الكتب الفقهية والحديثية، تكرر وتجتر نفس الكلام وتختصر المطولات وتضع عليها الحواشي وتَنْظِمها في متون، حتى أضحت كل مسألة لا تخلو من أقوال متضاربة أو قولين مختلفين على أقل تقدير.

ولعل قائلا من المعترضين أو الحالمين يعترض، بحجة أن هذا الخلاف لا يعكس نور المشكاة الصحيح، ولا يستند الى اتباع للسلف الصالح. ودونك أيها المعترض الساحة الإسلامية، لتنتقي لنا الفرقة الناجية التي تمتح من الأصول الراسخة للإسلام، وتتجاوز الخلافات القديمة لتصوغها في قالب جامِعٍ موحد.

أنتبع الوهابية أم الإخوان المسلمين أم المداخلة أم جماعة التبليغ أم السلفية الجهادية أم السلفية العلمية أم القرآنيين أم حركات تجديد الخطاب الديني أم ولاية الفقيه أم بقايا الأشاعرة؟؟

اقرأ أيضا: حينما رفس القوم ابن تيمية لتجسيده “جلوس” الله 2/2

وأي فقه ستتبنى الدول الإسلامية؟ فقه المذاهب، المستند لواقع مضى بشروطه وحيثياته، أم الفقه الذي يُلبس اجتهادات المفكرين الغربيين المستندة لمنظومة قيمية عصرية لبوسا شرعيا دينيا، كفتاوى تأسيس الأبناك الاسلامية والبورصة والتأمين وصناديق الضمان الاجتماعي؟؟…

طبعا… هذا الإيجاز والتكثيف لتاريخ الفقه والمدارس الكلامية غيض من فيض، لكنه يفتح أعين الحالمين لتختار الماضي التليد الذي ستُحييه لتتفيأ ظلاله وتقطف ثماره.

 

لقراءة الجزء الثاني: العصر الذهبي للدولة الإسلامية… تاريخ الاقتتال السياسي 2/4

لقراءة الجزء الثالث: العصر الذهبي للدولة الإسلامية… مجاعات، عبيد ومحاربة العلماء 3/4

لقراءة الجزء الرابع: العصر الذهبي للدولة الإسلامية… حين شهد الإمام مالك على فساد العصر 4/4

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *