×
×

من فرنسا، وسام الناصر يكتب: مسؤولية الإعلام في مواجهة وباء كورونا

الإعلام مسؤول أمام الجمهور، وعليه أن يوفر له المعلومة بأفضل جودة وأسرع الطرق. فالجمهور هذه الأيام في أقصى حالات الحساسية والتأثر، لذا لا مجال للخطأ أو التهاون في الالتزام بأرفع معايير المهنة وأخلاقياتها.

عادةً ما تضع الحروب والكوارث والأحداث الكبرى وسائل الإعلام أمام تحديات جمّة، تفرض عليها التأقلم السريع وتخصيص الموارد والجهد المناسبين لتحقيق تغطية إعلامية وافية، ترقى لمستوى الحدث وأهميته.

في حالة وباء كورونا، يبدو التحديّ مضاعفاً؛ فالوباء عالمي، يهدد الجميع ويخلق حالة عامة من القلق والخوف، والجمهور حبيس المنزل، تّواق لكل خبر ومعلومة جديدة.

لذا، يصبح للكلمة يدٌ عليا، تصيب في مقتل إنْ أضلت طريقها. ويصبح للإعلام مهام غير اعتيادية، عليه التصدي لها بمهنية وسموّ.

المهمة الأولى، تتلخص بأهمية نقل المعلومة بمصداقيّة وحرفية، وترتيب الأولويات، بتأنٍ ورويّة. وهي مهمة تقليدية في الأحوال العادية، ولكنها تأخذ طابعاً ملحّاً في حالة وباء كورونا. ذلك لأن الجو العام مناسب جداً لانتشار الشائعات والمعلومات الملفّقة والمنقوصة. لذا، يجب نقل المعلومات من مصادرها الموثوقة بالسرعة الكليّة، دون زيادة أو نقصان، وبعيداً عن الإثارة والتشويق.

المهمة الثالثة تتمثل في التركيز على مراقبة عمل وأداء المؤسسات الحكومية. هذه المهمة تتطلب الكثير من الحذر والمهنية، كي لا تقع وسائل الإعلام في فخ الترويج لسياسات وأجندات الحكومة وكي لا تتحول أيضا لأداة ضغط سياسية، تردد خطابات وانتقادات المعارضة والقوى المنتقدة للحكومة.

هنا تظهر حرفية ومهنية المؤسسة الإعلامية من خلال اختيار العناوين والتعابير المناسبة والمصقولة، بحيث لا تثير الخوف والهلع، ولا تساهم في التراخي والاستهتار.

في هذا السياق، رأينا أن بعض وسائل الإعلام العربية عمدت إلى تصدير أخبارها بعناوين مثيرة وبرّاقة، سواء بالتركيز على أعداد المصابين والضحايا أو من خلال اختيار تعابير مفرطة في الابتذال والتشويق. كما لاحظنا عدم الدقة في نشر المعلومات ونقصا واضحا في الاهتمام بالتفاصيل، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمعلومات المترجمة، حيث النزوع لتقديم وجبة إعلامية سريعة، دون اهتمام بدقة المعلومة وسرعة تبدل المعطيات.

المهمة الثانية، وهي لا تقلّ أهمية عن سابقتها، تتلخص بضرورة التصدي للشائعات والمعلومات المغلوطة بشكل مستمر، وتفنيدها ودحضها بسرعة، قبل أن تتحول إلى حقائق ثابتة يتداولها الجمهور في الشبكات الاجتماعية، دون وعي بخطورة نشرها.

أمام غزارة تدفق المعلومات المتعلقة بهذا الوباء وتعدد مصادرها، يصبح لزاماً على وسائل الإعلام أن تدققها وتتحقق منها لتساعد الجمهور على التمييز بين الصحيح والمغلوط فيها.

هنا، تظهر الفروقات جليّة في أداء وسائل الإعلام المختلفة، بين تلك التي تتمتع بحرية نسبيّة تسمح لها بالعمل وجمع المعلومات دون أي قيد أو شرط، وبين وسائل الإعلام التي تخضع لرقابة صارمة من قبل أنظمة تسلطية تسعى لتجيير أي حدث لمصلحتها، دون اكتراث بمصير شعوبها

إن المتلقي، في هكذا أحوال، سيكون فريسة سهلة للمواقع الإعلامية التجارية، التي وجدت في الحدث المشتعل فرصةً لها لكسب الأموال بشكل سريع، ضاربة بعرض الحائط كل أخلاقيات العمل الصحفي ومعاييره.

هنا، لا بدَّ من التأكيد على أهمية فتح المجال لذوي الاختصاص من أطباء وباحثين ومختصين، ليقدموا النصائح والتوجيهات العلمية والمعلومات الطبية الضرورية للجمهور وتحديثها بشكل مستمر، وإلا استفرد المشعوذون والانتهازيون بالجمهور وشتتوا إدراكه ووعيه.

المهمة الثالثة تتمثل في التركيز على مراقبة عمل وأداء المؤسسات الحكومية، والإضاءة الشاملة على سياساتها في التعامل مع الوباء وطرق التعامل معه؛ لتشكل وسائل الإعلام بذلك “قناة شفافة” لتدفق المعلومات بين تلك المؤسسات والجمهور. هذه المهمة تتطلب الكثير من الحذر والمهنية، كي لا تقع وسائل الإعلام في فخ الترويج لسياسات وأجندات الحكومة. بنفس الوقت، كي لا تتحول وسائل الإعلام لأداة ضغط سياسية، تردد خطابات وانتقادات المعارضة والقوى المنتقدة للحكومة.

إذن، على وسائل الإعلام أن تضيء على السياسات الحكومية في التعامل مع الوباء، وتشير إلى مواطن العطب والتقصير فيها دون أي مواربة أو تحيّز. وعليها أن تقدّم للجمهور معلومات وافرة عن أسباب التقصير والطرق التي تنتهجها المؤسسات الحكومية في تصحيح أخطائها وتقويم أدائها.

هنا، تظهر الفروقات جليّة في أداء وسائل الإعلام المختلفة، بين تلك التي تتمتع بحرية نسبيّة تسمح لها بالعمل وجمع المعلومات دون أي قيد أو شرط، وبين وسائل الإعلام التي تخضع لرقابة صارمة من قبل أنظمة تسلطية تسعى لتجيير أي حدث لمصلحتها، دون اكتراث بمصير شعوبها.

انتشار الوباء رافقته حالة من الخوف والهلع، خلقت بدورها سلوكيات جماعية ظهرت في الاندفاع نحو تخزين الأغذية والمواد الأساسية بكميات كبيرة، مما أدى إلى فقدان بعضها أو غلاء أسعارها. هنا يكون دور الإعلام أساسياً في ترشيد سلوك الجماهير وتطمينها، من خلال تقارير وتحقيقات تبيّن توفّر هذه السلع واستمرار تدفقها، أو من خلال مراقبة حركة الأسواق والإضاءة على عمليات الاحتكار والتحكم التي قد يلجأ لها بعض التجار والانتهازيين

من المفيد هنا الإشارة إلى خطورة التوجيّه والتقييد الذي تمارسه الحكومات في بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على وسائل الإعلام في تغطيتها للحدث؛ فالبرغم من الإجراءات الوقائية العديدة التي أعلنتها تلك الدول، إلا أن حالة إنكار انتشار الفيروس فيها، خلق حالة من الاستهتار واللامبالاة لدى المواطنين. لا بل تعدى الأمر لأكثر من ذلك، حيث ساهمت بعض وسائل الإعلام في تشكيل “وعي مقلوب” قائم على تسخيف الحدث وتحويله لفرصة للترفيه المبتذل والسخيف، دون أي تقدير لكارثية هذا الاستهتار ونتائجه.

تتلخص المهمة الرابعة للإعلام في رفع مستوى الوعي العام، والعمل على إرساء حالة من التعاضد والتكافل بين المواطنين وتشجيع مبادرات أهليّة خلّاقة.

انتشار الوباء رافقته حالة من الخوف والهلع، خلقت بدورها سلوكيات جماعية ظهرت في الاندفاع نحو تخزين الأغذية والمواد الأساسية بكميات كبيرة، مما أدى إلى فقدان بعضها أو غلاء أسعارها. هنا يكون دور الإعلام أساسياً في ترشيد سلوك الجماهير وتطمينها، من خلال تقارير وتحقيقات تبيّن توفّر هذه السلع واستمرار تدفقها، أو من خلال مراقبة حركة الأسواق والإضاءة على عمليات الاحتكار والتحكم التي قد يلجأ لها بعض التجار والانتهازيين.

الإعلام مسؤول أمام الجمهور، وعليه أن يوفر له المعلومة بأفضل جودة وأسرع الطرق. فالجمهور هذه الأيام في أقصى حالات الحساسية والتأثر، لذا لا مجال للخطأ أو التهاون في الالتزام بأرفع معايير المهنة وأخلاقياتها.

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *