×
×

من نقد التراث إلى نقد العقل: الجابري يفكك عقل الغنيمة، القبيلة وشرعنة الاستبداد 3/3

سيبقى العقل السياسي العربي محاصرا بإيديولوجيات لاعقلانية: إيديولوجيا الجبر الأموي، والتفكير الخارجي، وميثيولوجيا الإمامة. كما بقيت الممارسة السياسية تكرر نفسها في إطار المحددات الثلاثة (العقيدة، الغنيمة، القبيلة)، مع بعض الاستثناءات القليلة، التي لم تغير من طبيعة المسار العام، حيث ظل الصدام العنيف والاقتتال بين الفرقاء هما السمة الغالبة.
لتحرير العقل العربي من هذه الأطر اللاعقلانية، يقترح الجابري البدء بتعرية الاستبداد، والكشف عن مرتكزاته الإيديولوجية والاجتماعية، وتجاوز المحددات التقليدية، عبر بناء عقل سياسي جديد، ديمقراطي حداثي.

توقفنا في الجزء الأول والثاني من هذا الملف، عند أبرز الأفكار التي جاءت في الشق النظري من مشروع نقد العقل العربي، كما جاء في كتابي “تكوين العقل العربي” و”بنية العقل العربي”.

نخصص هذا الجزء الثالث والأخير، لما أورده الجابري في الشق التطبيقي من مشروعه، والذي خصص له كتابين: “العقل السياسي العربي” و”العقل الأخلاقي العربي”.

انطلق الجابري في دراسة العقل السياسي العربي، من 3 محددات هي: “العقيدة، الغنيمة، القبيلة“.

وقد حدد العقيدة بأنها، كل ما يعتنقه المرء ويؤمن به كأنه اليقين المطلق. أما القبيلة فهي “رابط يضم مجموعة من الناس انطلاقا من هوية مشتركة”. كما قسم الغنيمة إلى عنصرين: “الخراج، وهو ما يدفعه المنهزم للمنتصر، والريع، وهو كل ما يتم منحه من الغالب للطبقة التي تدور به”.

بالتالي، تصبح الاستفادة من الاقتصاد العربي على الشكل التالي: السلطة تستفيد من الخراج، والخاصة من الريع، والعامة من العطاء.

عقيدة المسلمين في مواجهة غنيمة قريش

في البيئة العربية الإسلامية، ستصبح العقيدة هي تلك الرابطة التي جمعت الجماعة الاسلامية الأولى؛ في حين، ستلعب القبيلة دورين متناقضين في علاقتها بالإسلام. من جهة، فرملت انتشاره، إذ أن عدد المسلمين خلال المرحلة المكية لم يتجاوز 154 شخصا. لكنها أيضا حمت النبي وضمنت له الاستمرارية.

في خضم الصراعات الإيديولوجية التي تفجرت بعد الفتنة الكبرى، أصبح الهرم الاجتماعي على الشكل التالي: الخليفة في رأسه، فالخاصة ثم العامة؛ وسادت الأدبيات السلطانية التي تم استيرادها من الموروث الفارسي، أو ما أسماها الجابري بأخلاق الطاعة، والتي ستشكل جوهر كتاب العقل الاخلاقي العربي.

هنا، يلفت الجابري الانتباه إلى أن المرحلة الأولى من الدعوة المكية، التي اتسمت بالسرية، كانت بداية صياغة العقيدة؛ إذ اتجهت الآيات والسور النازلة فيها إلى التذكير بالقيم الإنسانية والعذاب والنعيم الأخرويين، وبيّن أنه، لم تتم مهاجمة الأصنام إلا مع المرحلة الجهرية، وهذا ما رأت فيه قريش تهديدا لبنائها الاقتصادي، فارتباط القرشيين بالأصنام لم يكن ارتباطا دينيا، بل كان ارتباطا اقتصاديا لأنها كانت مصدر الثروة، بسبب مركز مكة كمحطة رئيسية بين أوروبا والهند. بالتالي، فإن الصراع كان اقتصاديا أساسا. بصيغة أخرى، كانت عقيدة المسلمين في مواجهة غنيمة القرشيين.

بعد الهجرة النبوية، سيعمد النبي إلى ضرب المصالح الاقتصادية لقريش، وهو ما جعلها تستسلم مقابل ضمان الإبقاء على مصالحها الاقتصادية، ليتجه النبي بعد ذلك نحو إخضاع القبائل الأخرى. هنا، ستصير الغنيمة والقبيلة والعقيدة المحددات الرئيسية.

تراجع العقيدة وتنامي الغنيمة والقبيلة

بمرور الوقت، سيتراجع دور العقيدة لصالح الغنيمة والقبيلة. بعد وفاة النبي، كانت القبيلة هي المرجع في اختيار الخليفة، في حين مثلث الردة تراجعا عن العقيدة.

كانت الغنيمة المحرك الأساسي للفتنة الكبرى، مع تحول الدولة إلى الملك القائم على منطق القوة/القبيلة، بعد واقعة التحكيم التي شكلت منعطفا نحو الاستبداد.

لتثبيت القبيلة، سيتخذ الأمويون من الغنيمة أداة لاكتساب المؤيدين وإغراء المعارضين وشرعنة الحكم، ولتثبيت أركان الدولة.

اقرأ أيضا: النبوة والمسألة السياسية… حين وجد العرب في ادعاء النبوة سبيلا لسياسة الناس! 3/1

 قال الفقهاء إن العمل ليس شرطا للإيمان، وهو ما جاء بهدف إبقاء الخلفاء الأمويين، الذين اشتهروا بـ “فسقهم”، ضمن مجال الإيمان، أي تأسيس دولة استبدادية ترتدي جبة منع الفتنة، بالحفاظ على وجود الأمة ككيان والإسلام كدين؛ وهو نموذج بقي سائدا: “القبيلة إطاره، الغنيمة محركه، العقيدة غطاؤه”.

نشوء أخلاق الطاعة

في خضم الصراعات الإيديولوجية التي تفجرت بعد الفتنة الكبرى، أصبح الهرم الاجتماعي على الشكل التالي: الخليفة في رأسه، فالخاصة ثم العامة؛ وسادت الأدبيات السلطانية التي تم استيرادها من الموروث الفارسي، أو ما أسماها بأخلاق الطاعة، والتي ستشكل جوهر كتاب العقل الاخلاقي العربي.

في هذا الكتاب، أشار الجابري إلى أن نظام القيم الأخلاقي يتكون من خمس نظم ثقافية وأخلاقية، هي كالتالي:

–         أخلاق المروؤة: الموروث العربي الخالص

–         أخلاق الدين: الموروث الإسلامي

–         أخلاق الطاعة: الموروث الفارسي

–         أخلاق السعادة (الحكمة): الموروث اليوناني

–         أخلاق الفناء: الموروث الصوفي

سينطلق الجابري من أخلاق الطاعة، باعتبار أن باقي الموروثات تشكلت أثناء عصر التدوين في فترة لاحقة، وكرد على الموروث الفارسي خاصة مع الحركة الشعوبية. من هنا، وأثناء تشكيل النظم الثقافية الأخرى، سيتم التركيز على المروءة كقيمة أخلاقية على رأسها الكرم، الذي ارتفع في المخيال العربي لأعلى الدرجات، إضافة للفتوة التي كان نموذجها الظاهر هو الصعلكة، القائمة على الأخذ من الغني لإعطاء المحتاجين.

 قال الفقهاء إن العمل ليس شرطا للإيمان، وهو ما جاء بهدف إبقاء الخلفاء الأمويين، الذين اشتهروا بـ “فسقهم”، ضمن مجال الإيمان، أي تأسيس دولة استبدادية ترتدي جبة منع الفتنة، بالحفاظ على وجود الأمة ككيان والإسلام كدين؛ وهو نموذج بقي سائدا: “القبيلة إطاره، الغنيمة محركه، العقيدة غطاؤه”.

أما عند مناقشته للموروث الإسلامي، فقد ركز الجابري على أربع فقرات حددت أخلاق الدين وهي:

–         الحارثي بن أحمد المحاسبي: الذي اعتبر أخلاق الدين أخلاق استرسال للآخرة.

–         الماوردي: جمع بين أخلاق الدين والدنيا، إذ كان يهدف إلى أسلمة الموروث الفارسي.

–         الأصفهاني: ركز على مكارم الشريعة.

–         الغزالي : يلتقي مع المحاسبي في أن أخلاق الدين هي الاستعداد للآخرة، وبالتالي، كانت قمة الأخلاق الإسلامية تقوم على الاستعداد لليوم الآخر.

من أجل تحرير العقل العربي

سيبقى العقل السياسي العربي محاصرا بإيديولوجيات لاعقلانية: إيديولوجيا الجبر الأموي، والتفكير الخارجي، وميثيولوجيا الإمامة. كما بقيت الممارسة السياسية تكرر نفسها في إطار المحددات الثلاثة، مع بعض الاستثناءات القليلة، التي لم تغير من طبيعة المسار العام، حيث ظل الصدام العنيف والاقتتال بين الفرقاء هما السمة الغالبة.

لتحرير العقل العربي من هذه الأطر اللاعقلانية، يقترح الجابري البدء بتعرية الاستبداد، والكشف عن مرتكزاته الإيديولوجية والاجتماعية، وتجاوز المحددات التقليدية، عبر بناء عقل سياسي جديد ديمقراطي حداثي، يقوم على العناصر التالية:

1-   إقرار مبادئ دستورية في إطار وثيقة دستورية تقوم على:

o      إقرار طريقة موحدة وديمقراطية لاختيار الحاكم.

o      تحديد مدة الولاية والانتداب.

o      تحديد اختصاصات الحاكم.

2-   ترسيخ الحداثة السياسية من خلال:

o      تحويل القبيلة إلى لاقبيلة، عبر تحويل المجتمع للاعتماد على تنظيمات سياسية ومدنية وفق قواعد مضبوطة.

اقرأ أيضا: “نصوص متوحشة”: هكذا وطّد ابن تيمية خطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/4

o      تحويل الغنيمة إلى اقتصاد منتج وضريبة في إطار سوق عربية مشتركة.

o      تحويل العقيدة إلى مجرد رأي، وليس مسلمات يتم الايمان بها.

3-   فسح المجال لحرية الرأي والتفكير، والتحرر من سلطة الجماعة المغلقة، وبعث آليات جديدة للتعامل، يحركها عقل نقدي.

كانت هذه أبرز ملامح مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري في مشروعه لنقد العقل العربي، والذي أثار صخبا كبيرا في الساحة الفكرية العربية، بل شكل محورا لعدد من الأفكار والأطروحات الفكرية، التي انتقدته، وخاصة على المستوى المنهجي. لكنه يظل، وباعتراف خصومه، حاضرا ومؤثرا بشكل أو بآخر في كل مشروع فكري يتعلق بالتراث.

لقراءة الجزء الأول: من نقد التراث إلى نقد العقل، كيف أسس الجابري لنقد العقل العربي 1/3

لقراءة الجزء الثاني: من نقد التراث إلى نقد العقل، الجابري يوثق لـ “استقالة العقل العربي” 2/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *