×
×

من نقد التراث إلى نقد العقل، الجابري يوثق لـ “استقالة العقل العربي” 2/3

في مرحلة تاريخية حاسمة، سيحدث تقارب بين العقل العرفاني، في شقه المتعلق بمثيولوجيا الإمامة، مع العقل السني البياني، لاحتقار التجربة والاكتفاء بالنصوص، وسيزيد هذا التقارب والإجهاز على العقل البرهاني مع الأشاعرة، الذين نفوا السببية وركزوا على الفاعل، وتوقف الاجتهاد في اللغة لتوقف الاجتهاد في الدين، وتم النظر إلى الطبيعة وقوانينها كمعطى إلهي مسير بفضل خالقه.
هنا سيتوقف العلم أمام سطوة الدين، حيث سيروج لنظرية أن كل ما تم اكتشافه موجود في النص، ولا داعي للاجتهاد أو لإعمال العقل والنظر.

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف أبرز ما تناوله الراحل محمد عابد الجابري في كتابه الأول من مشروعه نقد العقل العربي، والذي عنونه بـ “تكوين العقل العربي”.

نخصص هذا الجزء الثاني للنظم المعرفية للعقل العربي والتي تناولها الجابري في الكتاب الثاني من رباعيته: “بنية العقل العربي”.

قسم الجابري العقل العربي إلى ثلاث نظم معرفية: “عقل بياني، عقل عرفاني، عقل برهاني”.

العقل البياني: الانتصار للفظ على المعنى

خلص الجابري في دراسته لما أسماه بالعقل البياني، إلى أن هذا الأخير أطرته إشكالية المفاضلة بين اللفظ والمعنى، حيث غلب عليه الاهتمام بالألفاظ والتركيز على الخطاب، وليس المعنى والعقل.

هذا الأمر سيحضر بشكل خاص في مجال الفقه. “كان من نتائج إعطاء الأولوية للفظ على المعنى، أن أخذ الفقهاء يشرعون للفرد والمجتمع انطلاقا من تعقب طرق دلالة الألفاظ على المعاني، أي “المواضعة” اللغوية على مستوى الحقيقة والمجاز معا، فأهملوا أو على الأقل همشوا إلى درجة كبيرة مقاصد الشريعة كما لاحظ ذلك الشاطبي، لتصبح “مقاصد اللغة” ــ إذا جاز التعبيرــ هي المتحكمة”.

بنفس أقرب ما يكون للتراجيدي، يتحدث الجابري عن نهاية العقل البرهاني، الذي ما إن اكتمل شعاعه وأخذ في الانتشار، حتى انطفأت شعلته، إذ تحول البرهان مع الغزالي، إلى “مجرد آلية ذهنية شكلية يراد منها أن تحل محل آلية ذهنية شكلية هي الأخرى، آلية الاستدلال بالشاهد على الغائب، ما أفقده وظيفته الأصلية التي أرادها له أرسطو، وظيفة “التحليل” و”البرهان”.

حسب الجابري، فقد اكتفى العقل البرهاني بنصوص يستنبط منها القواعد والأحكام وقياس الغائب على الشاهد، معطيا مثالا من خلال تحليل المناظرة المذكورة في كتاب الإمتاع والمؤانسة، خلال الليلة العاشرة، بين النحوي أبي سعيد الصيرفي والمنطقي متى بن يونس، والتي انتهت بانتصار النحوي على المنطقي.

اعتبر الجابري، أن انتصار النحوي على المنطقي، يرمز لانتصار الخطابة على العقل، وهو ما ينسحب على الفقه، حيث يعتبر الفقهاء أن المعاني مدركة ويركزون على الألفاظ، إذ سيطرت أوهام اللغة دون إنتاج معرفة حضارية، وهذا ما أعاق ويعيق تحرر العقل العربي.

العقل العرفاني أو العقل المستقيل في الإسلام

أما العقل العرفاني بحسب الجابري، فقد جمع التصوف والفكر الشيعي والتأويلات الباطنية للقرآن والسحر والتنجيم …إلخ، وهي مؤثرات قادمة من بلاد فارس بشكل أساسي، أو ما أسماه الجابري بالتأثير الهرمسي.

اقرأ أيضا: عن الغزالي وابن رشد: مشاهد من جريمة اغتيال

 وقد احتقر الجابري هذا العقل وشن نقدا لاذعا عليه، معتبرا أن “الموقف العرفاني كان دائما موقف هروب من عالم الواقع إلى عالم “العقل المستقيل”؛ كلما اشتدت وطأة الواقع على الفرد الذي لا يعرف كيف يتجاوز فرديته، ويجعل من قضيته الشخصية قضية جماعية، وإن لزم الأمر قضية إنسانية”، ومحملا إياه انتكاسات العقل العربي، لأنه لا يعترف بالعقل بل يؤمن بالكشف، ما يعني سيادة الأسطورة وإهانة العقل واعتماد اللامعقول.

العقل البرهاني: صلة الوصل بين اليونان والأنوار

أفرد الجابري جزء هاما من كتابه “بنية العقل العربي”، للحديث عن العقل البرهاني، والذي يضم المنطق والرياضيات وعلوم الطبيعة، وهو الذي كان صلة وصل بين المرحلة اليونانية ومرحلة الأنوار.

سيخصص الجابري مساحة مهمة لمناقشة أقوال الفلاسفة واستعراضها، ليبرز الجانب العقلاني فيها. من ذلك مثلا إيراده لقول الكندي بضرورة البحث عن الحقيقة أينما كانت، إذ أنه “ينبغي لنا ألا نستحي من استحسان الحق واقتناء الحق من أين أتى، وإن أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المباينة لنا”، أما الفارابي، فقال إن على الفلاسفة إفهام أهل الملة بأن ما في دينهم مثالات لما في الفلسفة وهي سابقة عليها.

اعتبر ناقد العقل، أن انطلاقة الفلسفة الحقيقية كانت في الغرب الإسلامي، انطلاقا من ابن حزم الظاهري، الفقيه الذي أسس لعلاقة جديدة بين البيان والبرهان، ورفض العرفان من خلال رفضه للقياس. غير أن الجابري سينتصر بشكل أكبر لابن رشد، الذي ساوى بين الدين والفلسفة، رغم جنوح الموقف الرشدي إلى اعتبار أن الدين للعامة والفلسفة للخاصة.

على نهجه في انتقاد العقل العرفاني، سيشن الجابري نقدا لاذعا على ابن سينا، الذي اعتبره أكبر مكرس للفكر الظلامي، بسبب الجانب الإشراقي (العرفاني) في فلسفته، ليعمم انتقاده على الفلسفة المشرقية فيما بعد.

اعتبر ناقد العقل العربي، أن انطلاقة الفلسفة الحقيقية كانت في الغرب الإسلامي، انطلاقا من ابن حزم الظاهري، الفقيه الذي أسس لعلاقة جديدة بين البيان والبرهان، ورفض العرفان من خلال رفضه للقياس. غير أن الجابري سينتصر بشكل أكبر لابن رشد، الذي ساوى بين الدين والفلسفة، رغم جنوح الموقف الرشدي إلى اعتبار أن الدين للعامة والفلسفة للخاصة.

نهاية العقل البرهاني في الإسلام

بنفس أقرب ما يكون للتراجيدي، يتحدث الجابري عن نهاية العقل البرهاني، الذي ما إن اكتمل شعاعه وأخذ في الانتشار، حتى انطفأت شعلته، إذ تحول البرهان مع الغزالي، إلى “مجرد آلية ذهنية شكلية يراد منها أن تحل محل آلية ذهنية شكلية هي الأخرى، آلية الاستدلال بالشاهد على الغائب، ما أفقده وظيفته الأصلية التي أرادها له أرسطو، وظيفة “التحليل” و”البرهان”.

في هذه المرحلة التاريخية، سيحدث تقارب بين العقل العرفاني، في شقه المتعلق بمثيولوجيا الإمامة، مع العقل السني البياني، لاحتقار التجربة والاكتفاء بالنصوص، وسيزيد هذا التقارب والإجهاز على العقل البرهاني مع الأشاعرة، الذين نفوا السببية وركزوا على الفاعل، وتوقف الاجتهاد في اللغة لتوقف الاجتهاد في الدين، وتم النظر إلى الطبيعة وقوانينها كمعطى إلهي مسير بفضل خالقه.

اقرأ أيضا: ملف “مرايانا”: الشك… بين انفتاح النص وتطرف الفقهاء. 1/3

هنا سيتوقف العلم أمام سطوة الدين، حيث سيروج لنظرية أن كل ما تم اكتشافه موجود في النص، ولا داعي للاجتهاد أو لإعمال العقل والنظر، وستصبح السلط المتحكمة في العقل العربي هي ثلاث سلط رئيسية:

–         سلطة اللفظ من خلال تغليبه على المعنى

–         سلطة الأصل/السلف أو الأئمة عند الشيعة/ الصحابة عند السنة

–         سلطة التجويز: من خلال رفع السببية ونفيها

هكذا انغلقت الدائرة، وأصبحت الحركة تكرر التكرار؛ لتكون النتيجة… استقالة العقل وتحول الثقافة العربية الإسلامية إلى نسق مغلق لا يسمح بالخروج عن حدود النص. بل أن العالم العربي لازال يأخذ بالتكنولوجيا ويرفض الفلسفة والتحرر والديمقراطية.

كانت هذه الخلاصة التي توصل اليها الجابري فيما يخص الجانب النظري من مشروعه “نقد العقل العربي”، عبر دراسة التقسيمات التي أقامها بشكل إجرائي ما بين تقسيم جغرافي، عبر تقسيم العالم العربي الإسلامي إلى مشرق عرفاني، ومغرب عقلاني، وتقسيم إيديولوجي لعقل سني بياني وعقل شيعي عرفاني، وتقسيم معرفي، عبر تقسيمه إلى عقل بياني وآخر عرفاني، وآخر برهاني.

الجابري، سيشرع بعد ذلك في ما أسماه بالجانب العملي في مشروع نقد العقل العربي، من خلال دراسة العقل السياسي العربي، والعقل الاخلاقي العربي، وهو ما نفرد له…

الجزء الثالث والأخير من هذه السلسلة.

لقراءة الجزء الأول: من نقد التراث إلى نقد العقل، كيف أسس الجابري لنقد العقل العربي 1/3

لقراءة الجزء الثالث: من نقد التراث إلى نقد العقل: الجابري يفكك عقل الغنيمة، القبيلة وشرعنة الاستبداد 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *