×
×

آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: هزيمة الوهابية… وانطلاق عملية الإصلاح (3/3)

بعد إنهاء محمد علي باشا للدولة السعودية الأولى، شرع في محاولته الإصلاحية بمصر، من تأسيس لمصانع النسيج والألبسة والأسلحة، ومعامل السكر، كما أشار صاحب مخطوط الابتسام إلى بعض من أوجه تدبير وسياسة محمد علي باشا لمصر في تلك الفترة.

توقفنا في الجزء الثاني من هذا الملف، عند تجربة المؤلف “أبي العلا ادريس” مع الوهابيين في السعودية وما تعرض له رفقة أسرته من مضايقات، إضافة لتفاصيل حرب محمد علي مع آل سعود قبل أن ينجح في القضاء عليهم.

نواصل في هذا الجزء، الثالث والأخير، التطرق لإصلاحات محمد علي التي عاينها مؤلف مخطوط “الابتسام” عن قرب، ودوّن ما شاهده في مصر أثناء زيارته لها، وهي تعكس تفاعل المغاربة مع محاولة محمد علي الإصلاحية.

 

“وصنع البارود كمثل بارود الإفرنج، واتخذ له دورا ومطابيخ يصنع فيها، ووضع له الحركات التي يتقوم بها عند الإفرنج، واختصره في التركيب، فجعل يركبه وغير ريشه بإشارة معلم إفرنجي هكذا بلغنا، واتخذ له دواليب لصنعته فيوجده في أسرع حال، وغاية في الإتقان”

إصلاحات محمد علي

يتحدث المؤلف عما رآه في مصر وشروع محمد علي في تحديثها فيقول: “ولما فرغ الباشا من أمر الوهابية، أحدث في أرض مصر ما لم يكن فيها من صنايع الثياب على اختلاف أشكالها تقليدا للإفرنج في عملهم، والثياب التي تجعل عندهم، فجعل يصنع الملف المسمى عندهم في أرض مصر بالجوخ واللملم، والمسمى عندهم بالشاش، ويرقم الشاش على رقم الشيت بألوان شتى، ويصنع السموليات على الشكل الهندي، والموبر الحرير والقطني، والطربوش على الشكل التونسي، والثياب الحريريات على اختلاف أشكالها وألوانها وأجناسها.

واحتاج للنيلة الهندية فبعث على زريعتها لبلدها فجاءته فزرعها في بلده فنبتت صالحة، واحتاج لصوف الافرنج الرطبة … واحتاج للعصفر الهندي فبعث إليه فزرعه فنبت عنده صالحا، واحتاج للحرير الشامي فبعث لطايفة من أهل الشام فأسكنهم براس الوادي من مصر، وبنى لهم المداشر، وأعطاهم المعونة وقواهم بالرجال، فغرسوا التوت على شط النيل وعالجوه حتى صلح (…) واحتاج للديار التي يصنع فيها أنواع الثياب فبناها على شكل يصلح، وأنزل فيها النواعير والآلات الإفرنجية والدواليب، وبعث للمعلمين فجاؤوه من بلدهم، ووضعوا له الدواليب ونواعير تدور بمحرك واحد، فإذا رأيتها مصطفة هذا قدام هذا حسبت أن كل واحد فيها يدور وحده بسبب يحركه، وليس كذلك بل يدورها مدور واحد ولو كانت ماية (100) ناعورة، فجعلوا لهذه النواعير ثيرانا ثمانية تدور حول عود غليظ مقدار غلظة عشرة اشبار ملولب …”.

اقرأ أيضا: عبد السلام بنونة… أب الحركة الوطنية 2/1

وتحدث المؤلف عن سياسة محمد علي في مجال تصنيع الأسلحة فقال: “وصنع البارود كمثل بارود الإفرنج، واتخذ له دورا ومطابيخ يصنع فيها، ووضع له الحركات التي يتقوم بها عند الإفرنج، واختصره في التركيب، فجعل يركبه وغير ريشه بإشارة معلم إفرنجي هكذا بلغنا، واتخذ له دواليب لصنعته فيوجده في أسرع حال، وغاية في الإتقان”.

وعامل عرب الحجاز بما يناسبهم، فمن استحق العطاء أعطاه وأكرمه وكساه، ومن استحق السيف تحمل على تحصيله وقتله، حتى صارت أرض الحجاز معبرا آمنا لكل غاد ورايح، وجلب لمصر وما حولها من الفواكه الصيفية والخريفية أنواعا لم تكن فيها من قبل وغرسها، وصلحت ونمت وصارت كثيرة مبتذلة بعد أن كانت مفقودة

وتطرق أبي العلا لسياسة محمد علي الفلاحية قائلا: “ووضع للسكر مطابيخ، وجعل يصنعه على شكل السكر الإفرنجي في بياضه وصمته، وأبطل الصنايع القديمة التي كانت تعمل بمصر. وكان يسأل الفلاحين عن الأشياء التي يكثر النفع فيها، ويكثر مستفادها، وتقل مؤنتها فيزرعها، ويرغب الفلاحين في زرعها، وكانت مراكب الإفرنج تأخذ منه الحبوب في كل سنة، وأنواع القطنية من فول وحمص، فيأخذون منه ما يكفيهم لقوتهم، وجميع النصارى الإفرنج يأتون إليه لذلك، فيعطيهم ما طلبوا فيبذلون له الأموال في ذلك، ويشترون منه القطن لمصنوعاتهم، فيعطيهم من ذلك كفايتهم، وهو لا يطلب منهم إلا القليل من الأشياء، لاكتفائه بما عنده في أرض نعم. كان يطلب لكل صنعة أربابها فيأتونه ويكرمهم ويجر لهم المونة الكافية، ويعدهم بالعطاء الجزيل، ويجلس معهم الولدان الصغار، يتعلمون منهم الصنعة، حتى تحصل فيهم الملكة ويتعلموا الصنعة بجميع تفاصيلها، أعطى النصارى ما وعدهم به وبعثهم لبلدهم، وأبقى الصنعة في يد المسلمين، وهكذا في جميع ما أحدثه في أرض مصر من الصنايع، فأخذ يذهب فيه على قانون الإفرنج يفعل ذلك باشاواتهم وقانونهم حتى يتحصل في ملكة الفلاحين وأهل مصر.

وكان في كل سنة يتفقد الأعيان من علماء مصر، ويعطيهم الجوايز ويخلع عليهم الخلع ومهد أرض الحجاز من مصر إلى مكة، فآمن الناس فيه على أنفسهم ومالهم، فكانت تسافر فيه القافلة، فلا يتعرض لها أحد، وعمر بنادر الحجاز كلها بالماء والقوت حتى صار المسافر لا يحتاج لحمل الزاد معه، إنما يحمل الدراهم ويشتر كلما يريد، ورتب لأهل الحرمين أرزاقا تأتيهم كل سنة على اختلاف مراتبهم، وعامل عرب الحجاز بما يناسبهم، فمن استحق العطاء أعطاه وأكرمه وكساه، ومن استحق السيف تحمل على تحصيله وقتله، حتى صارت أرض الحجاز معبرا آمنا لكل غاد ورايح، وجلب لمصر وما حولها من الفواكه الصيفية والخريفية أنواعا لم تكن فيها من قبل وغرسها، وصلحت ونمت وصارت كثيرة مبتذلة بعد أن كانت مفقودة”.

اقرأ أيضا: في ذكرى رحيله: محمد بن العربي العلوي… شيخ الإسلام 3/1

تلقي هذه الفقرات من مخطوط “الابتسام” لصاحبه أبي العلا ادريس الضوء على تفاعل المغاربة مع محاولة محمد علي الإصلاحية، في وقت كان المغرب يعرف أزمة داخلية حادة، ستؤدي إلى الهزيمة في معركة إيسلي، والتي كشفت حجاب الهيبة عن المغرب، وجعلته عرضة للأطماع الأجنبية برغم محاولات الحسن الأول الإصلاحية… إلا أنها عرفت الفشل.

 

لقراءة الجزء الأول: آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: الإصلاح يعلن الحرب على التطرف (1/3)

لقراءة الجزء الثاني: آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: التطرف الوهابي يهزم الإصلاح المصري (2/3)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *