×
×

آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: التطرف الوهابي يهزم الإصلاح المصري (2/3)

مع بداية تحكم آل سعود في المنطقة، أظهر الوهابيون كثيرا من التشدد لدرجة جعلت كثيرا من الناس يعزفون عن الحج إلى البيت الحرام.
بالموازاة مع ذلك، وبتوجيه من الدولة العثمانية، شن محمد علي حملة عسكرية على آل سعود، من خلال معارك دارت بين الطرفين على مدار سنوات.
مواجهات انطلقت بمعركة وادي الصفراء، سنة 1812، قادها عن الطرف المصري طوسون باشا، فيما قاد قوات الدولة السعودية الأولى مسعود بن مضيان الظاهري أمير قبيلة حرب، وانتهت المعركة بانتصار السعوديين وانسحاب طوسون بقواته إلى ينبع.

توقفنا في الجزء الأول من هذا الملف، عند وصف صاحب المخطوط لسلوكات وممارسات الوهابيين في مكة.

نواصل هذا الجزء الحديث عن تجربة شخصية عاشها المؤلف “أبي العلا ادريس” في مكة، تظهر تشدد آل سعود ومنعهم الناس من زيارة قبر النبي أو حتى الصلاة عليه. مما لا شك فيه أن التجربة كانت انعكاسا لما عاناه عدد من المغاربة في أرض الحجاز خلال حكم الدولة السعودية الأولى.

رعب في مكة

يتحدث المؤلف عن تجربته الشخصية فيقول: “ومن ذلك ما وقع لوالدنا رحمه الله في سنة خمس وعشرون (1225 هـ/1810م) وكنت معه، فلما قضينا نسك الحج سرنا إلى المدينة المنورة على ساكنها الصلاة والسلام. فلما وصلنا إليها وأردنا الدخول مع الرفقة منعونا دخولها، فنزلنا في المناخة المكان الذي هو خارج المدينة، فلما حططنا الرحال وجئنا لندخل المدينة للزيارة، فوجدنا الحرس في الباب يمنعون الأفاقية من الدخول، وقصدهم بذلك أن لا يزور أحد قبره الشريف، وأن لا يسأل أحد الشفا عنده لأنهم ينهون الناس عن ذلك، وعلموا أن الحجاج الأفاقية لا يأتون المدينة إلا لأجل زيارة قبره الشريف، فتواصوا على أن لا يدعوا أحدا يفعل ذلك، فاختلسنا الدخول فدخلنا، فزرنا ولله الحمد، وجعلنا نتطوف في أسواق المدينة، على حال خفاء، فوقف والدي يشتري من عطار شيئا فتخاصما فيما بينهما في أمر فقال والدي لصاحب الحانوت يا هذا صل على النبي، فضربه رجل من الوهابية كان واقفا يسمع بعصى على ظهره، وقال له يا مُرّك تقول صل على النبي، فجاءنا مذعورا خائفا على نفسه بسبب الضربة فما استطعنا بعد ذلك أن نظهر في المدينة خوفا من الوهابية”.

فلما كانوا بوادي الصحراء من أرض الحجاز، أتتهم الأعراب من كل فج وواد، وانصبت عليهم بكل مستقيم ومعوج، من فوقهم وتحت أرجلهم من الأوعار، التي لا يتجه إليها عقاب ولا غراب ولا نسر يطير بجناحيه وينساب …. وفرت عساكر الترك في كل وجه، ومن كل فج، وتركوا أثقالهم وأموالهم وسلاحهم، وكانوا لا يلتفتون وراءهم من شدة الخوف

تبدو هذه التجربة مؤثرة في صياغة موقف “أبي العلا ادريس” تجاه آل سعود، كما أنها تؤشر أيضا على ما أبداه الوهابيون من تشدد كانت ترفضه البيئة السائدة آنذاك في العالم الإسلامي، لدرجة جعلت كثيرا من الناس يعزفون عن الحج إلى البيت الحرام.

حروب محمد علي وآل سعود

يواصل المؤرخ حديثه عن حملة محمد علي على آل سعود، حيث يصف المعارك التي دارت بين الطرفين على مدار سنوات، منطلقا من الحملة الأولى التي انتهت بهزيمة جيش محمد علي، والمعروفة بمعركة وادي الصفراء التي وقعت سنة 1812 م، في الخيف بوادي الصفراء بين المدينة وينبع، وقادها عن الطرف المصري طوسون باشا، فيما قاد قوات الدولة السعودية الأولى مسعود بن مضيان الظاهري أمير قبيلة حرب، وانتهت المعركة بانتصار السعوديين وانسحاب طوسون بقواته إلى ينبع.

إقرأ أيضا: لنقاطع الحج لعل مكة تعود

يقول المؤرخ: “…وتوجه بيد أميره طوسن باشا، وهو يومذاك أكبر ولده، فلما كانوا بوادي الصحراء من أرض الحجاز، أتتهم الأعراب من كل فج وواد، وانصبت عليهم بكل مستقيم ومعوج، من فوقهم وتحت أرجلهم من الأوعار، التي لا يتجه إليها عقاب ولا غراب ولا نسر يطير بجناحيه وينساب …. وفرت عساكر الترك في كل وجه، ومن كل فج، وتركوا أثقالهم وأموالهم وسلاحهم، وكانوا لا يلتفتون وراءهم من شدة الخوف، والعسكر يقتل أخاه إذا وجده في مضيق الطريق ليجد لنفسه السلوك، وهكذا حتى وصلت الهزيمة لينبوع البحر، ومات من عسكر محمد علي خلق كثير، وضاعت في تلك الوقعة أموال ودخاير، وخيل وإبل ودواب وآلات حب، ما لم يوقف فيه على حد، ووقع جل ذلك في بر عرب الحجاز، فلم يعرفوا له قيمة، فجعلوا يتبايعون ذلك بأبخس الثمن فان الطبنجة (أقرب ما تكون إلى المسدس) التي كانت تبلغ خمسماية دينار وأكثر، بيعت عندهم بثمن بخس”.

بعد هذه المعركة، سيجهز محمد علي حملته  الثانية، التي سيقودها نجله صوب الحجاز، والذي تمكن من هزيمة آل سعود وطردهم من المدينة ومكة، حيث يقول المؤلف:

ولما وصل المضايفي المذكور لدار الخلافة، أمر به السلطان فضربت عنقه، وذلك سنة ثلاثين وماتين (1230هـ) فكانت مدتهم والعلم عند الله سبع سنين، لأن ظهورهم بأرض الحرمين كان في ثاني أو ثالث وعشرين وماتين (1223هـ)، وكانت ركاب الحج منقطعة في أيامهم، إلا أفرادا من الناس يحجون على خوف منهم

“وجعلوا يتبعون الوهابية في كل وجه وفج، وينقضون عليهم من كل فج، حتى بلغوا بهم لأقاصي الحجاج، وانحصروا في الدرعية دار ملكهم الأمير سعود، فتبعتهم جيوش الترك فوطوا الدرعية، وحاصروهم فيها مدة من ثلاث سنين، حتى بلغوا منهم الجهد وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وأكلوا الميتة من شدة الجوع، والأتراك الذين خيموا عليهم كانت تأتيهم الميرة من أرض مصر متتابعة (…)، فضاقت الدرعية على أهلها لشدة ما كانوا فيه من الضيق، وأشرفوا بسبب ذلك على الهلاك، فأكلوا الميتة، فطلبوا عند ذلك الصلح والأمان لأنفسهم، فأنعم لهم إبراهيم بذلك وشرط عليهم أن يسلموا له المدينة فسلموها له، فدخلها وهدم أسوارها، وضرب منها ما أرادوا، وأخذ من أعيانهم ورجالهم جمعا كثيرا وبعث بهم إلى أبيه بمصر وفيهم رئيسهم عبد الله المضايفي الذي قام بالدعوة بعد الأمير سعود الوهابي، فدخلوا مصر فكان يوم دخولهم لها يوم مشهودا، وبرح الناس لذلك قايمة وحمدوا الله الذي طهر أرض الحجاز من هذه الفئة الباغية الطاغية.

إقرأ أيضا: فذلكة تاريخية حول لغز الباب المسدود في الكعبة المشرفة.

ولما وصل المضايفي المذكور لدار الخلافة، أمر به السلطان فضربت عنقه، وذلك سنة ثلاثين وماتين (1230هـ) فكانت مدتهم والعلم عند الله سبع سنين، لأن ظهورهم بأرض الحرمين كان في ثاني أو ثالث وعشرين وماتين (1223هـ)، وكانت ركاب الحج منقطعة في أيامهم، إلا أفرادا من الناس يحجون على خوف منهم، ثم إن الله يسر الطريق لعباده، وصارت الناس يأتين من كل فج عميق”.

 

في الجزء الثالث من هذا المقال نتناول كيف تفاعل المغاربة مع محاولة محمد علي الإصلاحية.

 

لقراءة الجزء الأول: آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: الإصلاح يعلن الحرب على التطرف (1/3)

لقراءة الجزء الثالث: آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: هزيمة الوهابية… وانطلاق عملية الإصلاح (3/3)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *