×
×

عندما سرقت الجوكاندا بمبرر استعادة أمجاد إيطاليا

لم تكن سرقة عادية، بل كانت قصة سرقة امتزج فيها الأمني بالثقافي، بالتجاري بالقومي.
سرقة…طالت واحدة من أبرز لوحات العالم، “الجوكاندا”، أو الموناليزا، للرسام الإيطالي ليوناردو دافنشي

من لم يسمع عن الجوكاندا أو الموناليزا، رائعة الرسام والنحات والمهندس الإيطالي ليوناردو دافنشي؟ ومن لم يصادف يوما مقالا أو بحثا عن هذه اللوحة التي تعتبر أغلى لوحة في العالم، إذ قدرت قيمتها سنة 2015 ب 782 مليون دولار؟ هذه اللوحة تقبع اليوم في متحف اللوفر خلف زجاج مضاد للرصاص، حيث يتوافد عليها أكثر من ستة ملايين زائر سنويا.

سحر هذه اللوحة وقيمتها جعلاها مطمعا لعدد من محاولات السرقة، وهو ما سينجح فيه بالفعل مواطن إيطالي، تمكن من الاختباء سنتين قبل العثور عليه رفقة اللوحة، ليصرح أثناء محاكمته، أن دافعه… كان استعادة أمجاد إيطاليا، ما جعل الإيطاليين يتعاطفون معه!

مرايانا تنبش اليوم في قصة سرقة الجوكاندا، حيث يختلط السياسي بالقومي بالتجاري بالأمني.

صباح الثالث والعشرين من غشت 1911، ستنشر الصحف الفرنسية خبرا صادما… “لقد تمت سرقة الجوكاندا”.

اقرأ أيضا: مكتبة آل سعود بالدار البيضاء: أزيد من 800 ألف وثيقة في متناول الباحثين

نزل الخبر دون تفاصيل، باستثناء أنه مر يوم كامل قبل اكتشاف السرقة، وهو ما أطلق المجال لتناسل الشائعات التي امتزجت بالخرافة. البعض اعتقد أن مجنونا سرقها ليحرقها، فيما ألصق آخرون التهمة بالأناركيون أو الفوضويون، مرجحين أن هذه السرقة من تدبيرهم لإضعاف الحكومة وإسقاطها، وذهب البعض إلى القول… إنها مؤامرة يهودية على فرنسا.

مرت الأيام والأسابيع، ولم يظهر أي أثر للجوكاندا. هذا الأمر دفع بعض الجرائد الفرنسية إلى الإعلان عن مكافآت مالية ضخمة، وصلت لعشرة آلاف فرنك نظير تقديم أي معلومات تقود لمكانها، مع ضمان حرية عدم الكشف عن الشخصية، وهو ما فهم منه، أنه رسالة لسارق اللوحة من أجل إعادتها مقابل هذا المبلغ الكبير.

توصل المحققون للطريقة دون أن يتوصلوا للفاعل. لكن سهولة الجريمة صدمت الرأي العام الفرنسي، خاصة عندما تأكد أن يوم وقوع الجريمة، لم يكن في المتحف سوى حارس واحد.

توصلت الشرطة الفرنسية إلى خطة سرقة اللوحة. بحسب ما أعلنه المحققون آنذاك، فإن السارق استغل إغلاق متحف اللوفر كل اثنين، من أجل عمليات النظافة والترميم، وكان الدخول في هذا اليوم حكرا على الطاقم الخاص من العمال والموظفين والتقنيين، حيث اندس بينهم رجل إيطالي الجنسية يدعى “بيروجيا” مرتديا معطفا كبيرا فوق ملابسه.

ولج السارق إلى المتحف بسهولة. بعدما عبر أبوابه، اتجه إلى اللوحة، حيث نزعها بسرعة من فوق الحائط، ومن ثم اتجه إلى باب صغير يؤدي إلى سلم جانبي، حيث أخرج قماش اللوحة من إطارها ولفها بقطعة من القماش القديم، وترك الإطار على السلم، وهبط إلى فناء داخلي له باب يؤدي إلى الطريق العام.

اقرأ أيضا: لِماذا لا تُجسَّد شخصية الرسول محمد في السينما العربية؟

سيجد بيروجيا الباب مقفلا، فأخذ في تفكيك قفل الباب بمساعدة من أحد العمال الذي لم يكن يدري أنه يساعد سارق الجوكاندا على الهروب. من ثم، خرج اللص الإيطالي وهو يحمل أشهر لوحة في العالم.

كان من بين العوامل المساعدة على تنفيذ السرقة، أن إدارة المتحف لا تتوفر على نظام للتأكد من هويات العاملين والموظفين. كما أن اللوحات كانت مثبتة ببساطة على الجدران خوفا من تعرضها للحرائق أو بعض المخاطر.

توصل المحققون للطريقة دون أن يتوصلوا للفاعل. لكن سهولة الجريمة صدمت الرأي العام الفرنسي، خاصة عندما تأكد أن يوم وقوع الجريمة، لم يكن في المتحف سوى حارس واحد. رغم إعادة تمثيل الجريمة، إلا أنه لم يتمكن أي أحد من تقديم وصف دقيق لبيروجيا، بمن فيهم العامل الذي فتح له الباب، أو عامل المخزن الذي شاهده يلقي قفل الباب المغلق.

كان نظام البصمات آنذاك حديث العهد في فرنسا. تمكنت الشرطة من الوصول إلى بيروجيا، الذي اشتبهت به ضمن قائمة ضمت 257 مشتبها به، حيث اعتقلته الشرطة وقادته للتحقيق. لكن بيروجيا كان متحكما في أعصابه، هادئا في مواجهته للمحققين وفي إنكار أي صلة له بالأمر، ما جعل المحققين يستبعدونه.

مرت سنتان ولا خبر عن اللوحة. كان خلالها بيروجيا يحتفظ باللوحة في مكان آمن، وقد حاول بيعها لتاجر تحف لندني، لكن هذا الأخير لم يصدق أنه سارق الموناليزا، قبل أن يقوم في نونبر من سنة 1913 بكتابة خطاب، وقعه باسم ليوناردو، إلى ألفريد جيري، تاجر لوحات فنية إيطالية شهير بفلورنسا، يخبره أنه يريد إعادة اللوحة إلى وطنها الأم بإيطاليا، ولم يشر إلى النقود التي يطلبها، مكتفيا بالقول إنه رجل فقير محب لوطنه.

أثناء محاكمته… قال بيروجيا إن ما فعله ليس سرقة، وإنما فعل ذلك من أجل مجد إيطاليا وانتقاما من نابليون الذي سرق اللوحة من وطنه وأهداها إلى متحف اللوفر. كما طالب بيروجيا بمعاملته كبطل قومي ينشد مجد إيطاليا.

قرر ألفريد جيري اللقاء ببيروجيا في العاشر من دجنبر 1913، وقد كان برفقتهما جيوفاني بوجي مدير متحف أوفيزي بفلورنسا، حيث عرضا عليه حوالي 500 جنيه إسترليني لو كانت اللوحة أصلية، وهو ما قبله بيروجيا، علما أن القيمة الأصلية للوحة آنذاك كانت تقدر ب 75 ألف جنيه إسترليني.

في غرفة بالطابق الثالث بفندق “طرابلس-إيطاليا”، أخرج بيروجيا كنزه للرجلين، وسارعا إلى عرضها على مجموعة من الخبراء، أكدوا لهما أنها أصلية. بعد أن سلما المبلغ المتفق عليه لبيروجيا، أخذا اللوحة الى مكتب بوجي بمتحف فلورانسا، ومن هناك أبلغا الشرطة التي اعتقلت بيروجيا.

ارتجت إيطاليا بخبر العثور على اللوحة، وصلى البابا بيوس العاشر صلاة شكر لله لسلامة اللوحة، ووضعت اللوحة في متحف فلورانسا، حيث تقاطر الناس عليها من كل حدب وصوب. خلال أيام قليلة، جنت الحكومة الإيطالية حوالي خمسة ملايين ليرة إيطالية، في حين غير فندق “طرابلس-إيطاليا” اسمه الى “فندق جوكاندا”.

اقرأ أيضا: Green Book: حين تجمع السينما بين نقاش القضايا الإنسانية وبين الفرجة الحقيقية

أثناء محاكمته… قال بيروجيا إن ما فعله ليس سرقة، وإنما فعل ذلك من أجل مجد إيطاليا وانتقاما من نابليون الذي سرق اللوحة من وطنه وأهداها إلى متحف اللوفر. كما طالب بيروجيا بمعاملته كبطل قومي ينشد مجد إيطاليا. عندها… واجهه الادعاء بحقيقة أنه لا علاقة للوحة بنابليون، وأن دافنشي هو من قدم بها لفرنسا وهو من باعها حتى وصلت للويس السادس عشر.

برغم مواجهته بهذه الحقائق، إلا أن بيروجيا ظل مصرا على كلامه، وهو ما وجد صداه عند الإيطاليين، حيث انهالت عليه الورود والهدايا، وهتف الكثير من الإيطاليين باسمه، قبل أن تصدر المحكمة في حقه حكما بالسجن لمدة سنة وخمسة عشر يوما.

وصل النبأ إلى فرنسا التي بدأت في الضغط على إيطاليا، وعرف مجلس النواب الإيطالي مناقشات حادة، خاصة بعدما لوحت فرنسا بقطع العلاقات مع إيطاليا في حال عدم تسليمها اللوحة.

بعد نقاشات حادة داخل إيطاليا انقسم فيها الساسة والرأي العام، أصدرت الحكومة الإيطالية تصريحا عاجلا قالت فيه: “ستسلم الجوكاندا إلى السفير الفرنسي بكل التقدير الذي يستحقه ليوناردو دافنشي وبكل السرور الذي تستحقه ابتسامة الجوكاندا”.

هكذا… عادت الجوكاندا إلى فرنسا حيث خضعت لفحص دقيق بمدرسة الفنون الجميلة بباريس، للتأكد من أنها اللوحة الأصلية، قبل أن تأخذ مكانها الجديد في 4 يناير 1914 والذي بقيت فيه ليومنا هذا.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *