×
×

الأنثى في عاشوراء المغربية: عندما تنفلت المرأة من سلطة الذكر 2/2 

ألسنا في احتفاليات عاشوراء المغربية أمام ثنائية قد تكون ضاربة لأطنابها في القدم بين الديانات ذات المنزع الأنثوي والديانات ذات المنزع الذكوري؟
لقد كان المغرب وإلى فترة متأخرة مجتمعا أميسيا، تسود فيه المرأة وتحتل مواقع ريادية، قبل أن تضطر هذه المرأة لخوض صراع طويل ــ ابتداء من المراحل المتأخرة للعصور الوسطى ــ ضد رجال الدين التقليدانيين، آلت الغلبة فيها لهؤلاء، في ظل تغييرات عميقة مست جوهر البنى المجتمعية، وألقت بالمرأة في سجن العقلية الذكورية.
لكن… رغم ذلك، بقيت بعض محاولات الانفلات من هذه السلطة حاضرة، إن في المواسم أو الاحتفالات، فهل تشكل بعض من طقوس عاشوراء جزء منها؟.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

تا بعنا في الجزء الأول من هذا الملف، رحلة التطهير التي ترافق كل احتفالات عاشوراء بالمغرب.

النار مقابل الماء، الأكل مقابل الصوم… رحلة تطهير متكاملة تستمد جذورها من ديانات ووتقاليد متعددة ومتنوعة.

في هذا الجزء الثاني والأخير، نتابع بعضا من معاني الحضور الطاغي للمرأة في هذه الاحتفالات، وعلاقة ذلك بسلطة الذكر التي فرضت على النساء خلال فترة متأخرة من تاريخ المغرب.

مع بداية احتفالات عاشوراء تطغى الصورة التالية: نساء وفتيات يخرجن إلى الشارع، يرددن أهازيج تدعو للثورة والتمرد، وتعلن انتهاء سلطة الذكر بشكل مؤقت.

تصدح حناجر النساء مرددة: “بابا عيشور ما علينا حكام ألآلة .. عيد الميلود كيحكمو الرجال ألالة”، “عيشوري .. عيشوري .. دليت عليك شعوري”، “اخرجوا الحاجبات .. هذا عيشور عاد جات”.

تحفل هذه الأهازيج والترانيم بتقابلات عديدة، قد تكون عاكسة لميزان القوى في المجتمع، فهي تضع تقابلا بين “الميلود” و”العيشور”: (بين عيد المولد النبوي وعاشوراء)، وبالتالي بين سلطة الذكر وسلطة الإناث من جهة الأخرى. لكن… اللافت هنا، هو إقحام المولد النبوي كإعلان عن عودة سلطة الذكر؟

ثنائيات وتقابلات تحضر مجتمعة في عاشوراء، دون أن يغيب أحدها الآخر، أو يطغى أحدها على الآخر، بل تمتزج فيها طقوس التطهير بالتكفير عن الخطيئة بالفداء داخل قالب من الاحتفال المبهج، يمارسها المغربي على اختلاف ديانته ومرجعياته دون إحساس بالتناقض.

هل يتعلق الأمر بترسبات الانتقال من الأميسية إلى الأبيسية ومحاصرة سلطة المرأة؟ هل يعني استحضار المولد النبوي هنا تمثلا للسلطة الفقهية التي حاصرت المرأة؟

باستحضار باقي الأهازيج، نجدها دعوة مباشرة إلى إطلاق الشعر وكسر الحجاب، وغني عن البيان رمزية الشعر في الديانات التوحيدية، وبالتالي:

ألا يشكل إعلان إطلاق الشعر هنا، تحديا للمنظومة الفقهية الذكورية التي كانت ــ ولازالت ــ تعتبر الحجاب شرطا رئيسيا للتدين الصحيح وتربطه بالعفة والفضيلة؟

إقرأ أيضا: علي اليوسفي: الإسلام والحجاب: إخراج الآيات من سياقها – 2\3

ألسنا هنا أمام حالة إعلان التحدي في وجه سلطة الذكر، المتمثلة في سلطة الفقيه المحاصر للمرأة، تحد تواصله المرأة برفض السلطة الذكورية، عبر توجيه الدعوة للبقية ليلتحقن بهن ويخرجن من حجابهن الذي يفصلهن عن باقي العالم؟

تشكل هذه الأهازيج إذن، دعوة صريحة لكسر الحواجز المجتمعية، والتمرد على الحجْب الممارس على المرأة، من خلال حجبها من الفضاء العام، الذي يصبح “محتلا” من طرف المرأة، في نوع من رد الاعتبار لها.

الخروج هنا ليس عاديا، فهو لا يقتصر على مجرد الدعوة إلى الخروج إلى أزقة الشوارع والفضاءات العامة وإعلان الاحتفال علنا، بل… هو دعوة إلى الخروج على سلطة ذكورية قيدت المرأة، ودعوة للانفلات من عقال السلطة الفقهية قبل أن تحين لحظة المولد النبوي لتعود من جديد، واستحضار لرمزية المرأة الثائرة المتجسدة في “السيدة زينب”، التي قامت بدور أساسي في معركة كربلاء، وقادت المعارضة في مواجهة الأمويين…

ألسنا هنا أمام ثنائية قد تكون ضاربة لأطنابها في القدم بين الديانات ذات المنزع الأنثوي والديانات ذات المنزع الذكوري؟

لقد كان المغرب وإلى فترة متأخرة مجتمعا أميسيا، تسود فيه المرأة وتحتل مواقع ريادية، ولم تفلح طبيعة المجتمع القبلية أن تغير من مكانة المرأة، وهو ما يبدو واضحا من خلال استنطاق النصوص التاريخية، فالمرابطون مثلا، كانوا إذا بلغ الرجل عندهم شأنا عاليا دعي باسم أمه، تكريما له، وظل الأمر كذلك عند عدد من القبائل، قبل أن تضطر المرأة لخوض صراع طويل ــ ابتداء من المراحل المتأخرة للعصور الوسطى ــ ضد رجال الدين التقليدانيين، آلت الغلبة فيها لهؤلاء، في ظل تغييرات عميقة مست جوهر البنى المجتمعية، وألقت بالمرأة في سجن العقلية الذكورية.

اللافت هنا، هو إقحام المولد النبوي كإعلان عن عودة سلطة الذكر؟

هل يتعلق الأمر بترسبات الانتقال من الأميسية إلى الأبيسية ومحاصرة سلطة المرأة؟ هل يعني استحضار المولد النبوي هنا تمثلا للسلطة الفقهية التي حاصرت المرأة؟

لكن… رغم ذلك، بقيت بعض محاولات الانفلات من هذه السلطة حاضرة، إن في المواسم أو الاحتفالات، فهل تشكل بعض من طقوس عاشوراء جزء منها؟

تمر أيام عاشوراء، وتنتهي لتعود بعد سنة، في نفس احتفالي يشكل سعي المغرب منذ القدم في رحلته للخاص والبحث عن التطهر والفضيلة، مازجا في ذلك الطقوس الوثنية والتوحيدية، صيام إبراهيمي/مجوسي، في مقابل أكل بأطباق مسيحية/إسلامية/وثنية.

نار مجوسية وماء يهودي، مع إعلان عن انفلات مؤقت من سلطة الذكر والعودة إلى المرحلة الأميسية.

إقرأ لنفس الكاتب: المساواة في الإرث في المغرب: هل نحن فعلا أمام آيات قطعية؟ 1/3

ثنائيات وتقابلات تحضر مجتمعة دون أن يغيب أحدها الآخر، أو يطغى أحدها على الآخر، بل تمتزج فيها طقوس التطهير بالتكفير عن الخطيئة بالفداء داخل قالب من الاحتفال المبهج، يمارسها المغربي على اختلاف ديانته ومرجعياته دون إحساس بالتناقض.

احتفالات عاشوراء إذن خروج من دائرة الهويات المغلقة المحددة سلفا، لدوائر أرحب يلتقي فيها الإنساني بالمقدس، ويمتزج التوحيدي بالوثني، لتعبر عن جوهر الإنسان الحقيقي المتسم بالتنوع وبالاختلاف…

أفلا تشكل عاشوراء في المغرب نموذجا لقدرة الإنسان على العيش في ظل التنوع وتجاوز الهويات المغلقة والتصنيفات النمطية؟

أليست لحظة الفرح التي تخلفها احتفالية عاشوراء دليلا على أن الحياة لا تتحقق إلا بالتنوع… بالاختلاف؟

لقراءة الجزء الأول: عاشوراء في المغرب: النار، الماء، الصوم… رحلة البحث عن الطهارة 1/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *