×
×

عاشوراء في المغرب: النار، الماء، الصوم… رحلة البحث عن الطهارة 1/2

عاشوراء في المغرب، رحلة بحث عن الطهارة.
ولأن مراحل الطهارة لابد أن تكون كاملة، كان لابد أن تجمع الأضداد. في مقابل التطهر بالنار، يوجد التطهر بالماء، وفي مقابل إعداد أكلات خاصة، يوجد الصوم… الذي يتخذ بعدا مقدسا ويعتبر جزء مهما في سلسلة التطهير التي تتم خلال أيام عاشوراء داخل مظاهر احتفالية تمتزج بالفرح.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

تشكل احتفالات عاشوراء أحد أبرز الاحتفالات التي تطبع المغرب. هي وإن كانت توجد في مناطق أخرى في العالم الإسلامي، إلا أنها في المغرب تظل مميزة بسمات خاصة.

وبرغم ما تتسم به من اختلاف وتعدد طقوسها وممارساتها، باختلاف المناطق والأماكن، إلا أن هناك نسقا عاما يجمع كل المظاهر الاحتفالية لعاشوراء، سمته التنوع والتعقيد والتطور، وينهل من روافد عدة، تجعله غنيا بالرمزيات والدلالات التي تستوجب أكثر من قراءة، كما أنها تعبر عن التطورات التي عرفها المجتمع المغربي، وعن تناقضاته.

في هذا السياق إذن يمكن أن نقف عند بعض المظاهر الاحتفالية ودلالاتها في احتفالات عاشوراء.

 النار/الماء: رحلة البحث عن الطهارة

تحضر النار بشكل لافت في احتفالات عاشوراء. عبر مختلف الأشكال والتعبيرات الرمزية يبدو حضورها طاغيا، ففي المدن يشعل الأطفال والشباب النار ويقفزون فوقها، أو يمرون عبرها، وفي بعض القرى كان يسهر الفقهاء والطلبة في بعض المناطق على إيقاد النار التي تمر الدواب من جوارها، ثم الأطفال الصغار فأفراد الأسرة… حتى يأخذوا بركة دخان النار المشتعلة بأغصان أشجار مباركة –كانت الزيتون في الأغلب- ليبدأ بعدها الاحتفال بالنار عبر القفز فوقها.

تتنوع الأشكال التعبيرية وتختلف باختلاف المناطق، لكن اختلاف التفاصيل والجزئيات لا ينفي حقيقة أنها كلها تعكس في عمقها استمرارا لذات العلاقة مع النار، حيث تغدو هذه الأخيرة مصدرا للبركة والطهارة.

تشكل عاشوراء إذن بحثا عن الطهارة، في تقابل النار والماء، في مزج الطقوس الوثنية والابراهيمية (على اختلاف تجلياتها: المسيحية واليهودية والإسلامية) حتى تصبح طقسا واحدا بنفس احتفالي، يجعل التطهر رديفا للفرح.

فإذا كانت النار تحيل على العقاب والعذاب، فإن ذلك العقاب هو في الآن نفسه نوع من أنواع التطهر، إن النار تطهر عندما تعاقب، ولهذا كانت عقابا للكفار وللمخطئين، تطهيرا للجسد البشري من الدنس ومن الخطيئة.

كما أن القفز فوق النار هو تكرار بشكل لاواعي لتجربة إلقاء إبراهيم في النار، التي نجا منها وأعلنت عن تشكله الجديد. هكذا، يغدو القفز فوق النار تكرارا لتجربة “روحية” وبحثا عن تطهير الجسد الإنساني من خطيئة الماضي، بحثا عن جلب الخير والبركة، ويصبح هذا الطقس الذي كان مرتبطا بالمجوسية، التي كان لها حضور وازن في المغرب كما تخبرنا عدد من النصوص التاريخية، إرثا ابراهيميا إسلاميا يرمز للبركة، للحياة، والطهارة.

إقرأ أيضا: في عاشوراء، المسلمون في واد والمغاربة في واد آخر..

ولأن مراحل الطهارة لابد أن تكون كاملة، ولابد أن تجمع الأضداد، في مقابل التطهر بالنار، يوجد التطهر بالماء، والذي يكتسي حضورا متميزا في طقوس عاشوراء عبر ما يعرف بـ “التزمزيمة” أو “زمزم”، حيث يسارع الأطفال والشباب إلى رش بعضهم البعض بالماء.

ينهل هذا الطقس من مرجعية دينية ابراهيمية واضحة، فاسمه “التزمزيمة” يحيل على البئر المقدسة لدى المسلمين، وهي البئر التي صنعت الحياة في مكة ومنحتها الحياة. أما طقوس ممارسة التزمزيمة، فقد كانت حاضرة لدى اليهود المغاربة قبل ظهور الإسلام بزمن، وهي تحمل ذات الرمزية أي التطهر والطهارة. هكذا إذن يصبح فعل التطهر اليهودي مكتسيا لاسم إسلامي.

تشكل عاشوراء إذن بحثا عن الطهارة، في تقابل النار والماء، في مزج الطقوس الوثنية والابراهيمية (على اختلاف تجلياتها: المسيحية واليهودية والإسلامية) حتى تصبح طقسا واحدا بنفس احتفالي، يجعل التطهر رديفا للفرح.

الصوم/ الأكل: طهارة مجوسية إسلامية مسيحية

سلسلة التطهر لا تتوقف عند الماء والنار، بل تستمر حاضرة على مستويات أخرى إذ تحضر في الصوم، الذي يشكل طقسا مشتركا بين الديانات الإبراهيمية والديانة المجوسية وحتى بعض الديانات التعددية (الوثنية).

الصوم كرمز للطهارة وللتكفير عن الخطيئة والمعاصي، يتخذ هنا بعدا مقدسا ويعتبر جزء مهما في سلسلة التطهير التي تتم خلال أيام عاشوراء داخل مظاهر احتفالية تمتزج بالفرح.

“التزمزيمة” يحيل على البئر المقدسة لدى المسلمين، وهي البئر التي صنعت الحياة في مكة ومنحتها الحياة. أما طقوس ممارسة التزمزيمة، فقد كانت حاضرة لدى اليهود المغاربة قبل ظهور الإسلام بزمن، وهي تحمل ذات الرمزية أي التطهر والطهارة. هكذا إذن يصبح فعل التطهر اليهودي مكتسيا لاسم اسلامي.

في مقابل الصوم يحضر الأكل، لا باعتباره مجرد طقس دنيوي لإنقاذ الجسد من الهلاك، أو إشباع حاجة بيولوجية، ولكن باعتباره استمرارا للمقدس ولرحلة التطهر، من خلال طبيعة الأكلات التي يتم تناولها خلال أيام عاشوراء، سواء تعلق الأمر بـ “الفاكية”، وهي مجموعة فواكه جافة كانت تقدم في الاحتفالات المسيحية، أو بتناول باقي أضحية العيد لتي تم السهر على حفظها وخزنها بطريقة معينة.

إقرأ لنفس الكاتب: تاريخ الحج قبل الإسلام: بين القطيعة والاستمرارية 1\3

هنا يجب أن نشير إلى أن عددا كبيرا من قبائل المغرب كانت تعبد “الكبش” كما ذكرت كتب المؤرخين، فهل يشكل الأمر استمرارا لفعل وثني مقدس عبر التركيز على أجزاء معينة من الخروف وطهيها وفق طريقة خاصة يحضر فيها الملح ذو الرمزيات المتعددة في تاريخ الأديان؟ خاصة ما يتعلق بالتكفير عن الخطيئة أو طرد اللعنة؟

وهل يمكن أن نقيم علاقة بين تناول لحم الأضحية وفكرة الفداء والتضحية؟ وهل يمكن أن نقيم علاقة بينه وبين مقتل الحسين كفعل استشهادي؟

هي أسئلة تدعو لإعادة قراءة النسق الاحتفالي بعاشوراء في المغرب.

لقراءة الجزء الثاني: الأنثى في عاشوراء المغربية: عندما تنفلت المرأة من سلطة الذكر 2/2 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *