×
×

المساواة في الإرث في المغرب: الإرث…التاريخ … القوامة وسقوط العلة 3/3

ألا يعد التمسك بالتطبيق الحرفي للنص قتلا له وخروجا به عن أهدافه وعن ثوريته التي جاء بها؟ ألا نجد أنفسنا أمام الثنائية الحاضرة دوما في تاريخ الفقه الاسلامي: روح التشريع في مواجهة حرفية النص؟
ألا نحتاج اليوم إلى الخروج من التقاطبات الإيديولوجية الضيقة، وفتح نقاش واسع وعميق، حول التجديد الفقهي في علاقته بمقتضيات العصر؟ ألن نكون بهذا أكثر خدمة للنص الديني ولروح التشريع القرآني؟ عوض أن نحكم على هذه المجتمعات أن تبقى رهينة قراءات حرفية تسيء للنص الديني، وتسهم في العزلة والتأخر؟

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

توقفنا في الجزء الأول من هذا الملف، على الإشكاليات والأسئلة التي يطرحها موضوع المساواة في الإرث، في ظل ما اعتبر آيات قطعية.

ووقفنا في الجزء الثاني، على بعض الملاحظات التي تطرح مع تيمة الآيات القطعية واختلاف الفقهاء والمذاهب في الاجتهاد في الموضوع.

في هذا الجزء الثالث والإخير، نواصل النبش في الموضوع من خلال استحضار السياقات التاريخية والثقافية التي أطرت نقاش الإرث.

من المعلوم أن النص القرآني نزل بشبه الجزيرة العربية، وهي منطقة تتميز بحضور التجارة والغزو و”اقتصاد المغازي” كأحد المظاهر الاقتصادية السائدة. هذا ما يجعل الرجل محور الحياة الاقتصادية في الحالتين؛ فإذا كانت تجارة، فأهمية الرجل تبدو فيها من خلال إشرافه على العملية وتتبعه لسير القوافل وحمايتها… إلخ، حتى وإن كانت صاحبة المال امرأة. نستحضر هنا نموذج النبي مع السيدة خديجة.

ألا يوفر الفقه الإسلامي إمكانيات للتجديد، وإعادة قراءة معطيات النص القرآني؟ نذكر هنا مثلا بموافقات الشاطبي، والقاعدة الأساسية جلب المنفعة ودرء المفسدة، ونحيل أيضا على اجتهادات نجم الدين الطوفي منذ حوالي 7 قرون، عندما قال إنه: “إذا تعارض النص مع المصلحة، أعملنا المصلحة وأولنا النص”.

أما في حالات الغزو، فالحاجة كانت دوما لقوة الرجل العضلية، وهذا ما جعل المنطقة متميزة بعقلية ذكورية محضة، الغلبة الأساس فيها للرجل وقوته وهو الفاعل الأساسي.

من هنا سينبع مفهوم قوامة الرجل المرتبط بالإنفاق والغزو. ولعل ما يؤكد ارتباط القوامة بالجانب الاقتصادي هو ربطها بالإنفاق في النص القرآني حيث ورد في الآية 34 من سورة النساء “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ”، ولعلنا بتأمل هذه الآية نكتشف تأكيدها على الإنفاق بل وربطها بها، ما يجعل القوامة مربوطة هنا بالإنفاق فقط لا غير.

يؤكد هذا كون المرأة في المجتمعات الإسلامية لم تكن عليها أية أعباء مالية، حتى لو كانت ميسورة، فقد كان زوجها أو أقاربها هم من يؤدون التزاماتها المالية، بما فيها الدية التي تجب على المرأة في حالة ما قتلت شخصا، حيث كان يؤديها زوجها أو إخوتها، إضافة إلى المهر الذي يؤديه الرجل للمرأة.

إقرأ أيضا: علي اليوسفي: الإسلام والحجاب: إخراج الآيات من سياقها – 2\3

وبالتالي، فقد كنا أمام حياة اقتصادية يسود فيها الذكر بشكل مطلق من جهة أولى، ومن جهة ثانية، كنا أمام علاقات اجتماعية محكومة بمفهوم القوامة. يؤكد قولنا هذا بعض الروايات التي أوردها ابن كثير في تفسير الآية 32 من سورة النساء، عندما احتجت النساء على أفضلية الذكور عليهن قبل أن يأتي الجواب القرآني لتهدئة الوضع. ويطرح هذا الاحتجاج “النسائي” علامات استفهام عديدة، وتسير في اتجاه تأييد ما سبق وأن أوردناه بخصوص السياقات والعلل المصاحبة لنزول هذه الآيات.

هكذا، إذا نظرنا إلى هذا الأمر في شموليته، وفي سياقاته التاريخية التي نزل فيها، فسيبدو لنا أن تشريع الإرث آنذاك شكل طفرة حقيقية، لأنه راعى المقاصد الحقيقية للنص الديني، من خلال سعيه إلى ضمان الكرامة المالية للمرأة. لكن ماذا عندما تتغير السياقات التاريخية؟ وتنتفي القوامة والغزو، وهما علتي تشريع الميراث بشكله الحالي، والذي يمنح الذكر نصيبا أوفر من الأنثى؟

انتفاء العلة وانتفاء الحكم

لا بد هنا أن نتوقف عند قاعدة فقهية أساسية تقول إن الحكم مشروط بعلته يدور حولها. وانتفاء العلة يؤدي تلقائيا إلى انتفاء الحكم، فإذا كانت علة ميراث الذكر هي القوامة والغزو كما ذكرنا آنفا، فماذا إذا انتفت هذه الشروط والسياقات التاريخية حيث تحول الاقتصاد السائد من “اقتصاد المغازي” و”تجارة القوافل” إلى اقتصاد قائم على المشاركة والمساواة، تلعب فيه المرأة أدوارا محورية. وأصبحت اليوم مشاركة للرجل في الأعباء الاقتصادية بل تفوقه أحيانا.

بتغيير العلاقات الاجتماعية وطبيعتها، ألا يصبح من الداعي والملح أن نعيد النظر في هذا التشريع الفقهي؟

قد يرد البعض على قولنا هذا بأنه، وإن انتفت علة الحكم، فإنها واردة في نص صريح قطعي، وأنه لا مجال للمساس بالنص الديني وتغيير التشريعات الواردة فيه أو إعادة تأويلها ولو تعارضت مع معطيات العصر، وهو ما سبق أن قمنا بالرد عليه وبينا أنه لا وجود لآيات قطعية الدلالة بخصوص الإرث، كما رأينا في الجزء الأول والجزء الثاني من هذا الملف.

 ألا يوفر لنا الفقه الإسلامي نفسه، إنتاجات واجتهادات مهمة، من خلال العمل على فكرة المقاصد قبل النصوص؟ هل نأخذ بما يقول به بعض التنويريين: “حيثما وجدت المصلحة، فثم شرع الله”؛ أم بما يرى بعض الأصوليين “حيثما وجد الشرع فثمة مصلحة العباد”؟

وحتى وإن سلمنا بوجودها وقطعيتها، نتساءل هنا، ألم يقم عمر بن الخطاب بتغيير أنصبة الأنفال التي ورد فيها نص قرآني صريح؟ بل إن سورة بأكملها سميت باسمها، وفصلها النص القرآني بعبارة صريحة وواضحة، ورغم ذلك ألغى عمر بن الخطاب هذه القاعدة القرآنية التي تقضي بتوزيع أربعة أخماس من الأراضي المفتوحة على المجاهدين، وهو لم يفصله عن وفاة النبي أقل من عقد من الزمان، مراعاة لتغير السياقات التاريخية والظروف العامة.

إقرأ أيضا: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

هل كان عمر بن الخطاب يجرؤ على هذا الأمر لو لم يكن مدركا أن التشريع القرآني مشروط بسياقاته التاريخية، وأن تغير الظروف الاجتماعية والاقتصادية يجعل من الضروري تغيير التشريعات، ولو اقتضى الامر إيقاف العمل بنص صريح، ولعل هذا ما يظهر من خلال مجموعة من الحدود والأحكام التي أوقفها عمر كحد السرقة وزواج المتعة وغيرها من الأحكام التي وردت فيها نصوص صريحة، ورغم ذلك أوقفها عمر بن الخطاب.

هذا ما ورد فيه نص صريح وأطلق عمر بن الخطاب المجال فيه لاجتهاده الخاص، فبالأحرى بعد أربعة عشر قرنا؟ ألا يعد التمسك بالتطبيق الحرفي للنص قتلا له وخروجا به عن أهدافه وعن ثوريته التي جاء بها؟ ألا نجد أنفسنا أمام الثنائية الحاضرة دوما في تاريخ الفقه الاسلامي: روح التشريع في مواجهة حرفية النص؟

أسئلة لا بد منها

إن كل ما طرحناه سابقا يضعنا أمام أسئلة عديدة، إذ…

ألا نحتاج اليوم إلى الخروج من التقاطبات الإيديولوجية الضيقة، وفتح نقاش واسع وعميق، حول التجديد الفقهي في علاقته بمقتضيات العصر؟ ألن نكون بهذا أكثر خدمة للنص الديني ولروح التشريع القرآني؟ عوض أن نحكم على هذه المجتمعات أن تبقى رهينة قراءات حرفية تسيء للنص الديني، وتسهم في العزلة والتأخر؟

ألا يوفر لنا الفقه الإسلامي نفسه، إنتاجات واجتهادات مهمة، من خلال العمل على فكرة المقاصد قبل النصوص؟ هل نأخذ بما يقول به بعض التنويريين: “حيثما وجدت المصلحة، فثم شرع الله”؛ أم بما يرى بعض الأصوليين “حيثما وجد الشرع فثمة مصلحة العباد”؟

إقرأ لنفس الكاتب: وكان دم “جارية”… أغلى من كل الوطن

 ألا يوفر الفقه الإسلامي إمكانيات للتجديد، وإعادة قراءة معطيات النص القرآني؟ نذكر هنا مثلا بموافقات الشاطبي، والقاعدة الأساسية جلب المنفعة ودرء المفسدة، ونحيل أيضا على اجتهادات نجم الدين الطوفي منذ حوالي 7 قرون، عندما قال إنه: “إذا تعارض النص مع المصلحة، أعملنا المصلحة وأولنا النص”.

إنها إشكاليات كبرى يطرحها موضوع الإرث، لكنها في الواقع تتجاوزه إلى إشكالات ورهانات ترتبط بسيرورة وصيرورة الدولة ومستقبل الوطن والعلاقة مع النص الديني، وهو ما يفترض فتح نقاش عميق وهادئ بمنأى عن كل ما قد يؤدي إلى منزلقات خسائرها أكثر من أرباحها.

لقراءة الجزء الأول: المساواة في الإرث في المغرب: هل نحن فعلا أمام آيات قطعية؟ 1/3

لقراءة الجزء الثاني: المساواة في الإرث في المغرب: قطعية الآيات على ضوء السياقات التاريخية 2/3

تعليقات

  1. طه سعيد

    القران الكريم صالح لكل زمان ومكان لان الله سبحانه وتعالى يعلم كل ماهو كان وما سيكون وما هو كائن فعجبا لكم تضعون أنفسكم في خانة قول الكفر والشرك وتنزعجون حينما توصفون بهذا وهل كان يخفي على الله أن الزمان سيتغير تعالى الله عن ذلك اتقوا الله وتوبوا عما تقولون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *