×
×

الإسلاموفوبيا أم معاداة الإسلام؟هل يلعب المصطلح الذي تقصد به الظاهرة دورا في صعوبة مكافحتها؟

إذا كان مصطلح “الإسلاموفوبيا” يستعمل لوصف أحاسيس الكراهية والسلوكات العدوانية تجاه الإسلام والمسلمين، فإن البعض يرى أنه زائف على نحو يؤكد عدم جديته، إذ يمنح للظاهرة أبعادا زائفة غير أبعادها على أرض الواقع… فهل يلعب المصطلح الذي تقصد به الظاهرة دورا في صعوبة مكافحتها؟

بينما سارع بعض العالم إلى شجب الهجوم الإرهابي الذي عرفته نيوزلندا، في الـ15 من مارس/آذار 2019، رمى البعض الآخر بأشد عبارات الكراهية في حق المسلمين، إذ اعتبر أن هؤلاء هم السباقون إلى الإرهاب.

عطفا على الدافع الإرهابي لمنفذ تلك الجريمة، الذي نشر بيانا حينذاك أوضح فيه اعتقاده بتفوق العرق الأبيض، رأى متابعون أن ما حدث برمته، يعبر مرة أخرى عن الانتشار الواسع لـ”الإسلاموفوبيا”.

الواقع أن الإرهاب الذي تمارسه الجماعات الإسلامية المتطرفة، مثل تنظيمي “داعش” و”القاعدة”، في شتى أنحاء العالم، أسهم في تصاعد المخاوف من المسلمين والإسلام في الغرب.

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: مذبحة نيوزيلاندا. يؤلمكم أنكم… لستم القاتل!؟

لكن، يظهر أن الإسلاموفوبيا، وإن كانت حين تتجلى في صيغة سلوكيات ربما ترافق واقع المسلمين في الغرب على نحو يومي، فإن التركيز لا يكاد ينصب عليها إلا حين تقع أحداث إرهابية.

الإسلاموفوبيا

وفق تقرير صدر عن مركز التقدم الأمريكي عام 2011، يقصد بالإسلاموفوبيا خوف أو كراهية أو عداء مبالغ فيه ضد الإسلام والمسلمين، تقوم على صور نمطية سلبية وتؤدي إلى التحيز ضد المسلمين والتمييز ضدهم وتهميشهم وإقصائهم.

وهي بهذا المعنى، وفق الباحث في الشؤون الأمريكية، علاء بيومي[1]، ليست تحيزا عارضا ضد الإسلام والمسلمين بسبب عدم المعرفة أو الجهل، إنما تتعدى ذلك بكثير… إلى التحريض ضد المسلمين والإسلام.

سُجل مثلا في بريطانيا عام 2018، حسب أرقام رسمية، أزيد من 1200 اعتداء مدفوعا بالكراهية ضد الإسلام بزيادة تقدر بـ26 بالمائة مقارنة مع عام 2017…

عموما، يجمع الدارسون على أن الإسلاموفوبيا هي مخاوف وأحكام مسبقة حيال الإسلام والمسلمين، تأخذ شكل سلوكات عنيفة، سواء رمزية أو مادية.

الإسلاموفوبيا كمفهوم ظهر لأول مرة عام 1997، في تقرير أعدته لجنة “المسلمين البريطانيين والإسلاموفوبيا”، حمل عنوان “الإسلاموفوبيا تتحدانا جميعا”[2].

لكن ثمة من يرجع ظهوره إلى عام 1987، واستعماله لأول مرة عام 1994، حين نشر كاتب فرنسي مقالا بعنوان “ثقافة ووحشية”، تحدث فيه عن “صنف من الإسلاموفوبيا الزاحفة”[3].

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: الإرهاب لا دين له، حقا؟

أيا يكن، بعد أحداث 11 شتنبر/أيلول، أخذ المفهوم ينتشر أكثر فأكثر، حتى أضحى دارجا لغويا وسياسيا منذ مؤتمر “تحدي الإسلاموفوبيا”، الذي أشرفت عليه الأمم المتحدة عام 2004.

… أم معاداة الإسلام؟

على أنه، إذا كان مصطلح “الإسلاموفوبيا” يستعمل لوصف أحاسيس الكراهية والسلوكات العدوانية التي أشرنا إليها أعلاه، فإن المتخصص في علم الاجتماع الديني، طيبي غماري[4]، يرى أنه زائف على نحو يؤكد عدم جديته.

بعبارة أخرى؛ الظاهرة حقيقية، لكن المصطلح الذي يعبر به عنها مُضَلِّل؛ إذ يمنح للظاهرة أبعادا زائفة غير أبعادها على أرض الواقع.

بحسب غماري، فالسلوك الإسلاموفوبي يفترض وجود طرفين؛ ضحية وجاني. لكنه، والحال هذه، يتناسى المصطلح الضحية تماما فيما يوجه اهتمامه إلى الجاني؛ فيحوله بشكل أو بآخر إلى ضحية لا تقوم سوى بالدفاع عن نفسها ومجتمعها وحضارتها.

ينبغي التشديد على أن مفهوم الاندماج لا يعني “الاستيعاب”… الاندماج في البلدان متعددة الثقافات، ينبغي أن يقاس بالقدرة على تحقيق المشاركة المجتمعية بين الثقافات المختلفة دون أي تمييز.

لفهم هذه الفكرة، يقارب غماري المصطلح بمصطلح آخر هو “معاداة السامية[5]“.

في هذه الحالة؛ أي معاداة السامية، نحن أيضا أمام فعل بين جاني وضحية؛ بيد إنها تحدد الجاني كمجرم لأنه يصفه بالعدو، ومن ثم، الضحية هنا واضح ولا مجال للخلط والتشويش.

اقرأ أيضا: لننس “الدين الصحيح” ولنتحدث عن “حرية الاعتقاد”

بمعنى آخر، يحمل مصطلح الإسلاموفوبيا شحنة ومعنى دفاعيا عن الجاني، الذي يصير ضحية “فوبيا” من الإسلام والمسلمين. بالمقابل، يعطي مصطلح معاداة السامية شحنة هجومية ضد اليهودية، يكون فيها الجاني محددا بوضوح لا يسمح باللبس أو بتحويله لضحية، وفق ذات الباحث.

ثم إن مفردة “فوبيا” تعني “الخوف” باللاتينية، وعند ربطه بالإسلام، يعني ذلك حالة مرضية حياله، وهذا ما يقدم الإسلاموفوبيا كرد فعل على خوف من خطر يحدق بنا… خطر نعتبره، سواء صوابا أو خطأ، خطرا موضوعيا يخول، وفق غماري، رفع المسؤولية عن الجاني الذي يمارس السلوك الإسلاموفوبي.

مشكلة إدماج أم مشكلة اندماج؟

يرد هذ الباحث وآخرون بروز السلوك الإسلاموفوبي إلى عنصرية الغرب تجاه الإسلام والمسلمين، وسياسات دوله المتعلقة بإدماجهم؛ إذ تسببت في تهميشهم وشعورهم بالعزلة. لكن، ثمة اتجاه آخر وفق الباحث الأردني سامي أبو داود[6]، يرجع ذلك إلى عدم قدرة المسلمين على الاندماج وذلك لأسباب ثقافية واجتماعية ودينية خاصة بهم.

أكثر من ذلك، يرى سعيد شبار[7]، رئيس المجلس العلمي المحلي لإقليم بني ملال، مثلا، أن “المسلمين أسهموا ولا يزالون في صناعة هذه الظاهرة، بسوء فهم النصوص واتخاذ بعض المواقف المتشددة المتطرفة… ناهيك عن عدم الالتزام بالقيم والأخلاق العملية للدين”.

من جانب آخر، ينبغي التشديد على أن مفهوم الاندماج لا يعني “الاستيعاب”… الاندماج في البلدان متعددة الثقافات، ينبغي أن يقاس بالقدرة على تحقيق المشاركة المجتمعية بين الثقافات المختلفة دون أي تمييز.

السلوك الإسلاموفوبي يفترض وجود طرفين؛ ضحية وجاني. لكنه، والحال هذه، يتناسى المصطلح الضحية تماما فيما يوجه اهتمامه إلى الجاني؛ فيحوله بشكل أو بآخر إلى ضحية لا تقوم سوى بالدفاع عن نفسها ومجتمعها وحضارتها.

ذاك ما خلصت إليه دراسة أجراها معهد بيرتلسمان ستيفتونغ الألماني عام 2017، حول مدى اندماج مسلمي غرب أوروبا في المجتمعات الأوروبية، والتي توصلت أيضا إلى أن المسلمين استطاعوا تحقيق تقدم ملحوظ في ما يتعلق بالاندماج في هذه المجتمعات، رغم العقبات التي يواجهونها، بخاصة في مجال العمل.

هذه الدراسة أكدت أيضا في خلاصاتها أن إنجاح الاندماج مسؤولية مشتركة تتحمل الدول المضيفة جزءا كبيرا منها، ذلك أنه يجب عليها احترام التعددية والطقوس الدينية، ووضع أطر تتيح مشاركة الجميع في شتى سبل الحياة دون تمييز.

 اقرأ أيضا: من الولايات المتحدة الأمريكية، عمر بوم يكتب: فزاعة التقية في زمن الإسلاموفوبيا

تضيف الدراسة أنه يفترض ألا تشكل الاختلافات الدينية عقبة أمام الاندماج؛ ومن ثم، يكون بإمكان المسلمين إثراء التعددية في الغرب، بخاصة في حالة التزامهم إزاء البلد الذي يعيشون فيه.

ومع ذلك، سُجل مثلا في بريطانيا عام 2018، حسب أرقام رسمية، أزيد من 1200 اعتداء مدفوعا بالكراهية ضد الإسلام (هجوم ضد أشخاص، أماكن عبادة…) بزيادة تقدر بـ26 بالمائة مقارنة مع عام 2017…

من الواضح إذن أن الظاهرة بحاجة إلى دراسات أكثر حتى تتمكن تلك المجتمعات من إيجاد حلول أخرى أنجع، ربما تبتدئ من… إعادة صياغة المفهوم الذي يطلق عليها!


[1]  عن ورقة للباحث بعنوان: “شركة الخوف… جذور شبكة الإسلاموفوبيا في أميركا”.
[2]  عن ورقة للباحث مصطفى بن تمسك، بعنوان: “الإسلاموفوبيا: مقاربة جيو-سياسية”.
[3]  عن كتاب الباحث في العلوم السياسية، ياسين مهدي صالح، بعنوان: “ظاهرة الخوف من الإسلام في الغرب ومواجهتها فكريا”.
[4]  عن مقال له بعنوان: “الإسلاموفوبيا: مصطلح زائف لظاهرة حقيقية”.
[5]  معاداة السامية مصطلح يقصد به معاداة اليهود.
[6]  عن مقال له بعنوان: “المسلمون في الغرب ومشكلة التعايش والاندماج”.
[7]  عن ورقة بعنوان: “ظاهرة الإسلاموفوبيا: صناعة مشتركة بين الغرب والمسلمين”.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *