×
×

ملف “مرايانا”: الشك؟… رفيق خاتم المرسلين نحو اليقين 2/3

الشك… طبيعة النفس البشرية وجوهرها، وطريقها نحو اليقين.
لم يقترن الشك بحكايات خليل الله إبراهيم وكليمه موسى فقط.
الشك… حاضر في سيرة خاتم المرسلين أيضا.
حاضر بقوة النص… بقوة رواية البخاري ومسلم التي حاربها الفقهاء، رغم أنها أصح إسنادا من أحاديث نسخت آياتا وأحكاما قرآنية واضحة.

تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف، كيف تعامل الله مع أنبيائه و هم يشكون في وجوده…

تابعنا ذلك، من خلا حكاية خليل الله إبراهيم، وكليمه موسى… ورأينا كيف كان الإله منفتحا على شكوك عباده الذين اصطفاهم لنشر رسالته.

ختمنا الجزء الأول من هذه الحكاية، بالقول إن سيرة خاتم المرسلين محمد، لم تخل من حضور الشك…

وهذا ما سنتابعه في هذا الجزء.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

… نبي الإسلام، شك في حقيقة جبريل معتقدا أنه شيطان، ولولا خديجة وورقة بن نوفل لما سكن شكه، لقد احتاج لدليل قوي يرسخ إيمانه، ولم تكن هذه هي اللحظة الوحيدة التي خالج فيها الشك الرسول…

…إن تأملنا لروايات بدء الوحي في الإسلام تعضد ما ذكرناه آنفا، ذلك أنها تجربة يلتقي فيها الإيمان بالشك حتى يصلا معا لذروتها…

ويكفينا في هذا الصدد استعراض هذا الحديث الذي ورد في صحيح البخاري في كتاب التعبير:

“حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب وحدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر قال الزهري فأخبرني عروة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح فكان يأتي حراء فيتحنث فيه ــ وهو التعبد ــ الليالي ذوات العدد ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة فتزوده لمثلها حتى فجئه الحق وهو في غار حراء…

الله لم يمنع الشك ولا التصريح به، بل حاور من تسرب الشك إلى قلبهم وأقنعهم بدلائل مادية، بينما انبرى الفقهاء لمحاصرة الشك، ولم يتوانوا عن التناقض حتى مع ما سطروه بأنفسهم… فذهب بعضهم إلى اعتبار أن رواية محاولة النبي للانتحار من معلقات البخاري التي لا تصح…

…فجاءه الملك فيه فقال اقرأ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ باسم ربك الذي خلق، حتى بلغ علم الإنسان ما لم يعلم فرجع بها ترجف بوادره حتى دخل على خديجة فقال زملوني زملوني فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال يا خديجة ما لي وأخبرها الخبر وقال قد خشيت على نفسي فقالت له كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق…

إقرأ لنفس الكاتب: العكاكزة: قصة طائفة مغربية جعلت من الجنس الجماعي وزواج الكبيرة بالصغير طقوسا تعبدية 1\3

… ثم انطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي وهو ابن عم خديجة أخو أبيها وكان امرأ تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العربي فيكتب بالعربية من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب وكان شيخا كبيرا قد عمي فقالت له خديجة أي ابن عم اسمع من ابن أخيك فقال ورقة ابن أخي ماذا ترى فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم ما رأى فقال ورقة هذا الناموس الذي أنزل على موسى يا ليتني فيها جذعا أكون حيا حين يخرجك قومك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم فقال ورقة نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدى له جبريل فقال يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك قال ابن عباس فالق الإصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل“.

تمثل هذه الرواية المذكورة في صحيح البخاري -الذي يعتبره الفقهاء أصح الكتب بعد القرآن- أن الرسول أوشك أن ينتحر، وهو ما يعني وصول الشك إلى مداه الأقصى وتمكن اليأس منه…

في مقابل هذا، كان الله يعمل على تسكين روعه، والحفاظ على ذلك الشك، كما لو كانت فترة تأهيلية، قد يكون النبي أدرك كنهها فيما بعد، إذ ورد عنه قوله في أحد الأحاديث الواردة في صحيح مسلم، الذي يعتبره الكثيرون، ثاني أصح الكتب بعد القرآن وصحيح البخاري:

“وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نحن أحق بالشك من إبراهيم صلى الله عليه وسلم إذ قال رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي”

هذا… حديث آخر يجعل الشك أمرا مشروعا، بل نستطيع القول إنه يكاد يكون من ضروريات الإيمان.

إن الله فيما استعرضناه سابقا، لم يمنع الشك ولا التصريح به، بل حاور من تسرب الشك إلى قلبهم وأقنعهم بدلائل مادية.

على عكس هذا الموقف، انبرى الفقهاء لمحاصرة الشك، ولم يتوانوا عن التناقض حتى مع ما سطروه بأنفسهم… فذهب بعضهم إلى اعتبار أن رواية محاولة النبي للانتحار من معلقات البخاري التي لا تصح.

بين الموقف القرآني والموقف الفقهي فوارق شتى لا يمكن فهم سببها إلا باستجلاء الدوافع السياسية والتاريخية وراء تطور الموقف الفقهي، وإصراره على حماية “وحدة الجماعة”…ولو كانت هذه الوحدة وهمية، ومنع انبثاق الذات الفردية وتحرر الإنسان، لأن هذا يعني انفلات السلطة من أيديهم…

…هكذا بينما قبل الفقهاء أن تنسخ عدد من أحاديث البخاري آيات وأحكاما قرآنية واضحة، معتبرين أن ماورد في الصحيح لا يعلو له الشك، فإنهم سرعان ما يبدؤون في لي عنق الرواية، ومحاولة الطعن فيها والتنقيص فيها، وإن كانت شروط صحتها أعلى من بعض الأحاديث التي لازالوا يعتبرونها صحيحة.

إقرأ أيضا: علي اليوسفي: الإسلام والحجاب: إخراج الآيات من سياقها – الجزء الثاني

موقف متذبذب ومتناقض لم يدرك كنه الرواية الحقيقة والتجربة الشكية التي ينبثق منها الإيمان، لتصر على محاصرته وجعله مساويا للتكفير والنبذ والاضطهاد بل والقتل، باعتبار أن من يصر على شكوكه يعتبرا مرتدا.

بين الموقف القرآني والموقف الفقهي فوارق شتى لا يمكن فهم سببها إلا باستجلاء الدوافع السياسية والتاريخية وراء تطور الموقف الفقهي، وإصراره على حماية “وحدة الجماعة”…ولو كانت هذه الوحدة وهمية، ومنع انبثاق الذات الفردية وتحرر الإنسان، لأن هذا يعني انفلات السلطة من أيديهم…

فالشك يعني أولا وأخيرا القدرة على مساءلة الأحداث والأشخاص والنصوص، ووضع المسلمات محط نقد وتأويل… وهو ما يهدم أركان السلطة الفقهية ويحولها من الاطلاقية الى النسبية، في حين أنها تستمد سلطتها وهيمنتها من “وهم الإطلاقية” ومحاصرة العقل النقدي.

لقراءة الجزء الأول: ملف “مرايانا”: الشك… بين انفتاح النص وتطرف الفقهاء. 1/3

لقراءة الجزء الثالث: ملف “مرايانا”: نحن أحق بالشك من ابراهيم! 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *