×
×

الدعوة إلى الله… سوق رائج يصنع النجوم

“الدعوة إلى الله” ليست بتلك التلقائية التي يعتقدها الكثير من الناس، فخلف قناع الدين، توجد تفاصيل متعددة، هي التي تحرك في الغالب “نجوم الدعوة”، الذين أصبحوا بين عشية وضحاها، وبفعل …

“الدعوة إلى الله” ليست بتلك التلقائية التي يعتقدها الكثير من الناس، فخلف قناع الدين، توجد تفاصيل متعددة، هي التي تحرك في الغالب “نجوم الدعوة”، الذين أصبحوا بين عشية وضحاها، وبفعل وسائل الإعلام الجماهيرية، “نجوما” يتهافت المسلمون على التقاط الصور و”السيلفيات” إلى جانبهم، على غرار نجوم الفن والموسيقى.

“الدعوة” هي فعل خاص بالأنبياء دون سواهم، تنقضي بانقضاء النبوة

“الدعوة إلى الله” أصبحت تجارة مربحة، لكنها تطرح إشكالات مختلفة متعلقة باستغلال “المشترك” والمتاجرة بالدين، مع ارتباط كل ذلك بمصالح السياسة واتجاهاتها. في هذا المقال، نحاول الوقوف على بعض التفاصيل “الخفية” المحركة لظاهرة “الدعاة النجوم”.

عندما أصدرت مجلة “فوربز” بنسختها العربية ملفا حول الدعاة، في العدد الخامس والأربعين الصادر في شهر مارس عام 2008، لم يكن يخطر على بال الكثيرين، قبل ذلك الحين، أن تكون ثروات “الدعاة النجوم” تصل إلى ذلك المقدار الذي كشفت عنه المجلة؛ خاصة وأن صورة الواعظ أو الداعية أو رجل الدين ارتبطت في مخيال الكثير من المسلمين بالزهد والتقشف وعدم السعي وراء ملذات الدنيا ومتاعها.

اقرأ أيضا: الزبير بن العوام، طلحة بن عُبيد الله وعلي بن أبي طالب: هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام (الجزء الثاني)

عمرو خالد

المجلة المتخصصة في عالم المال والأعمال، أماطت اللثام عن تفاصيل كثيرة حول نشاط هؤلاء الدعاة، حيث كشفت عن حجم ثرواتهم، والمصادر التي يعتمدون عليها في مراكمتها، بالإضافة إلى نشر أرقام موثقة ومجدولة حول هذه الثروات. على سبيل المثال، ذكرت المجلة أن الدخل السنوي للداعية المصري عمرو خالد بلغ سنة 2007 أكثر من مليونين ونصف المليون دولار، بينما وصل الدخل السنوي للداعية الكويتي الدكتور طارق السويدان إلى مليون دولار، فيما ناهز الدخل السنوي للداعية السعودي عائض القرني 600 ألف دولار.

حسب الكثير من المهتمين، فإن المجلة تسللت إلى عالم لطالما ضُرب حوله، طيلة سنوات، جدار كبير من التكتم. ما كان يرشح بخصوصه من تقارير حول أسراره وطرائق اشتغاله، لم تكن تجد من يثبت صحتها، فكانت تسقط سريعا في حكم النسيان. ملف المجلة الشهيرة جاء لتسليط الضوء على مجال متشابك يخلتط فيه العلم بالمال، السياسة بالدين، والآخرة بالدنيا.

الداعية المصري المثير للجدل عمرو خالد، صنفته المجلة المتخصصة في عالم المال والأعمال، باعتباره الأعلى دخلا والأكثر شهرة بين “الدعاة النجوم”، بالرغم من أنه قد أقسم يوما قائلا: “لم أتقاض يوما أي أجرة عن أي محاضرة أو مناسبة خاصة”

منذ ذلك الحين، بدأت أنظار المراقبين تتجه أكثر فأكثر إلى ظاهرة “نجوم الدعوة”، والتي انتشرت كالنار في الهشيم خلال السنوات الأخيرة، لاسيما على إثر هجمات الحادي عشر من شتنبر والحرب على أفغانستان والعراق. حينها، سعت معظم الأنظمة السياسية، في بلدان الخليج خصوصا، إلى “تطويق” الخطاب الديني المتشدد، والتي اعتبرت أن من شأنه أن يزعزع استقرارها.

عقود خيالية

لا يشتغل “الدعاة النجوم” مجانا و”في سبيل الله”، كما قد يتبادر إلى الذهن لأول مرة، بل إن الأعمال التي يقدمونها في القنوات التلفزيونية تكلف هذه الأخيرة مبالغ طائلة من ميزانياتها، خاصة حينما “تتعاقد” مع دعاة لهم قاعدة جماهيرية كبيرة. تختلف المبالغ التي تمنحها المؤسسات الإعلامية لهؤلاء الدعاة حسب شهور السنة، إذ من الملاحظ أنها ترتفع كثيرا خلال شهر رمضان، حيث يكثر الإقبال على الخطاب الديني والروحانيات، وبالتالي ارتفاع استهلاك البرامج الدينية.

سلمان بن فهد العودة

ملف مجلة “فوربز” حول “الدعاة النجوم” بيّن تفاصيل العقود التي يبرمها هؤلاء الدعاة أو الوعاظ مع المؤسسات الإعلامية، التي تبث على شاشاتها البرامج التي يقدمونها. مثلا، الداعية السعودي سلمان بن فهد العودة، المشرف العام على مؤسسة الموقع الإسلامي (islamToday)، حصل على دخل سنوي ناهز 267.000 دولار سنة 2007، عن مجمل العقود التي أبرمها مع مجموعة MBC، لبث عدة برامج دينية، في مقدمتها برنامجه الرمضاني اليومي “حجر زاوية”.

نفس الشيء مع الداعية المصري المثير للجدل عمرو خالد، والذي صنفته المجلة المتخصصة في عالم المال والأعمال، باعتباره الأعلى دخلا والأكثر شهرة بين “الدعاة النجوم”، بالرغم من أنه قد أقسم يوما قائلا: “لم أتقاض يوما أي أجرة عن أي محاضرة أو مناسبة خاصة”.

اقرأ أيضا: إسرائيليات: هل المرأة ضلع أعوج وهل رأى الرسولُ اللهَ؟ (الجزء الثالث)

عمرو خالد، 51 سنة، استطاع حسب الكثير من الملاحظين أن “يسوق” نفسه باعتباره داعية مختلفا عن بقية الوعاظ، فهو غير ملتح على غرار الأغلبية منهم، كما أن طريقة تقديمه للبرامج تميل إلى النمط الشبابي السريع. كما اعتبر الداعية المصري نفسه في أحد التصريحات الصحافية بأنه “حلم النهضة للشباب العربي، وأمل هذه النهضة. وأنا أعيش من أجل ذلك”.

عائض القرني

لعل هذه الصورة التي يقدمها عن نفسه هي التي تفسر شهرته الواسعة، وتصدره لتصنيف مجلة “فوربز” للدعاة الأغلى دخلا؛ حيث قدرت دخله السنوي الصافي كحد أدنى بـ 2.5 مليون دولار عام 2007، كما أشرنا أعلاه، وذلك بالاستناد أساسا إلى عائدات بيع برامجه التلفزيونية.

اقرأ أيضا: تاريخ الحج قبل الإسلام: بين القطيعة والاستمرارية (الجزء الأول)

النشاط التجاري “للدعاة النجوم” لا يقتصر فقط على عائدات بيع البرامج التلفزيونية للفضائيات التي تطلبها، بل أن نشاطهم يطال أيضا مجالات أخرى كثيرة مرتبطة بالمشاركة في المحاضرات التدريبية والتثقيفية ونشر الكتب وعائدات حقوق المؤلف.

الدخل السنوي للداعية المصري عمرو خالد بلغ سنة 2007 أكثر من مليونين ونصف المليون دولار، بينما وصل الدخل السنوي للداعية الكويتي الدكتور طارق السويدان إلى مليون دولار، فيما ناهز الدخل السنوي للداعية السعودي عائض القرني 600 ألف دولار.

مثلا، يعتمد السعودي عائض القرني على “الإنتاج الفكري” كمصدر رئيسي للدخل، حيث وصل معدل الكتب التي ألفها حوالي 80 كتابا تتوزع مواضيعها بين الدين والثقافة والشعر والأدب، وفي مقدمتها مؤلفه الشهير “لا تحزن”، المترجم إلى 29 لغة، إذ بيعت منه تقريبا مليوني نسخة. الشيخ السعودي حصل، جراء بيعه لحقوق ملكية الكتاب المذكور، على مبلغ 133.000 دولار.

بالرغم من أن هؤلاء الدعاة لا تشكل لديهم مسألة تحقيق الربح في إطار “الدعوة إلى الله” أدنى حرج، إلا أن المسألة تَطرح، وفق مجموعة من الباحثين، إشكالات كثيرة مرتبطة أساسا باستغلال “المشترك”، والمتاجرة بالدين، مع ارتباط ذلك بالشأن السياسي.

جدل التسمية: داعية أم إعلامي؟

يشير الكثير من المهتمين إلى أن كلمة “داعية” تعد مصطلحا حديثا، لم يذكر في التاريخ الإسلامي سواء في العهد النبوي أو بعده، مشيرين إلى حصول نوع من الاقتباس لعبارة “الدعوة إلى الله” التي كان يستعملها الرسول للدعوة إلى الإسلام في العهد الأول للوحي.

طارق سويدان

كما أن اختيار مصطلح “الدعوة” للإشارة إلى الخطابات التي ينشرها بعض رجال الدين، بالاستعانة بوسائل الإعلام الجماهيرية، وعلى رأسها التلفزيون، الغرض منه بالأساس هو سبغ الشرعية الدينية على هذه الأعمال. هذا الاستعمال يسهل تقبل معظم المتتبعين لهذه الأعمال، باعتبارها خطابات “دينية” و “طبيعية” مألوفة في تاريخ الإسلام. والحال، حسب العديد من الباحثين، أن “الدعوة” هي فعل خاص بالأنبياء دون سواهم، تنقضي بانقضاء النبوة؛ حيث اعتبروا أن فك الارتباط بين الدعوة والنبوة، على غرار ما هو حاصل الآن، “مصروف لأغراض لا علاقة لها بالدين، وإن لبست لباسا دينيا”، كما يشير إلى ذلك المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز في دراسته التي حملت عنوان “في الدعوة والدعاة: مقدمات نقدية”. بلقزيز اعتبر أن تاريخ الإسلام بعد النبوة شهد أشكالا متعددة بخصوص تقمص دور النبوة باعتبارها “دعوة”، مشيرا إلى أن هذه المسألة أنتجت ظواهرها ومؤسساتها، وباتت في حكم “الطبيعي” والمألوف، فيما هي لا سند لها من الشرع.

اقرأ أيضا: يحرمون الأحزاب السياسية والمظاهرات والاحتجاج: التيار المدخلي … الدين طاعة الحاكم (الجزء الثاني)

بناء على ذلك، يقترح العديد من المراقبين عدم استعمال مصطلح “الدعوة” للإشارة إلى تلك الخطابات والبرامج التي يقدمها رجال الدين على شاشات التلفزيون وغيرها، مطالبين باستعمال كلمة “إعلامي”، طالما أنها تُجرى على مستوى الإعلام الجماهيري وتًستعمل التقنيات التي يستخدمها؛ وذلك من أجل تجنب اللبس الذي قد يحدث بخصوص الخلط بين الإسلام كإرث مشترك لجميع المسلمين، بإمكان أي كان أن يفهمه بطرق مختلفة ومتعددة، وبين خطابات “الدعاة النجوم” والتي قد يظن البعض بأنها هي الإسلام بالحصر.

هذا الطرح يجد وجاهته، حسب هؤلاء المراقبين، في تورط مجموعة من “الدعاة النجوم” في دعوة الشباب المسلم إلى “الجهاد” في بعض أماكن النزاع في العالم، مستغلين الخلط الحاصل بين “الدعوة” وبين الإعلام؛ بين الدين وبين السياسة، وهو خلط يمنع البعض من التمييز بين ما هو ديني محض وبين ما هو إعلامي و\أو سياسي، الأمر الذي يسهّل استغلال حماس الكثير من الشباب ليُدفع به للانخراط في دواليب التطرف والتشدد.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *