×
×

يحرمون الأحزاب السياسية والمظاهرات والاحتجاج: التيار المدخلي … الدين طاعة الحاكم 2\2

رأينا في الجزء الأول من هذا الملف تداعيات الرسالة التي كان قد نشرها الشيخ ربيع بن هادي المدخلي والجدل الديني والسياسي الذي أثارته في المغرب. في هذا الجزء الثاني والأخير، …

الشيخ ربيع بي هادي المدخلي

رأينا في الجزء الأول من هذا الملف تداعيات الرسالة التي كان قد نشرها الشيخ ربيع بن هادي المدخلي والجدل الديني والسياسي الذي أثارته في المغرب. في هذا الجزء الثاني والأخير، سنتعرف على بدايات التيار المدخلي وعلى أدبياته الأساسية من تحريم الأحزاب السياسية وتحريم المظاهرات وغيرها.

من هم المداخلة؟

يُنسب التيار المدخلي إلى الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وهو من مواليد 1932 في قرية الجرادية بالمملكة العربية السعودية. يسمى هذا التيار أيضا في بعض الأدبيات باسم الجامية، نسبة إلى الشيخ محمد أمان الجامي، وهو أستاذ الشيخ الربيع المدخلي.

سطع نجم المداخلة أساسا في شبه جزيرة العرب، وبالتحديد مع حملة تحرير الكويت من العراق خلال ما عٌرف بحرب الخليج الثانية، مطلع التسعينات من القران الماضي، وذلك حينما طُرح جدل ديني كبير بخصوص جواز الاستعانة بالولايات المتحدة الأمريكية “الكافرة”، من أجل تحرير الكويت من الغزو العراقي.

المداخلة معروفون بـ”تبديعهم” لكل الأحزاب السياسية من مختلف المشارب الإيديولوجية، خصوصا الأحزاب الإسلامية منها.

ترجع تفاصيل حكاية تيار المدخلي إلى الفتوى التي أصدرها الشيخ عبد العزيز بن باز بخصوص السماح “للكفار” بالولوج إلى جزيرة العرب، مخالفا “حديثا نبويا صحيحا بإجماع العلماء”. يتعلق الأمر بالحديث المشهور عن طرد المشركين من جزيرة العرب، استنادا إلى إشارة الأثر الوارد في أغلب كتب الأحاديث، والقائل: ” أخرجوا المشركين من جزيرة العرب”.

إقرأ أيضا: فتاوى عجيبة: حينما يتوهج ذكاء بعض “علماء الدين”، هذه هي النتيجة! (الجزء 2)

فتوى الشيخ بن باز أثارت جدلا كبير في الأوساط الدينية بالمملكة العربية السعودية، خاصة أن المذهب السلفي يعتمد كثيرا على الأحاديث النبوية في أحكامه، لأن هذه الأخيرة في ظنه وحي من الله إلى رسوله؛ وبالتالي لا يجوز مخالفتها مهما كان الحال.

في هذه اللحظة بالضبط، وكأنما انبعث من الرماد، ظهر الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، مدافعا عن فتوى الشيخ السلفي بن باز، الذي وجد نفسه وحيدا في مواجهة فوهة الانتقادات التي طالته من مختلف الأطراف، فكان لظهور الشيخ المدخلي دورا حاسما في ميل كفة الخلاف لصالح الفتوى المثيرة للجدل.

الشيخ المدخلي سبح عكس التيار السائد في أوساط الفقهاء آنذاك، إلا أن الرياح التي ركبها كانت تجري وفق ما تشتهي سفن الحكام في المملكة العربية السعودية، الذين كانوا في حاجة ماسة إلى سند ديني يضفي الشرعية الدينية اللازمة على قرار الاستعانة “بالكفار”، من أجل تحرير الكويت من سطوة العراق الصَدامية.

يعتقد المدخليون أن الجماعة، وفق فهمهم لها، هي التماهي مع الحاكم، فالحاكم في نظرهم هو ممثل الجماعة، والخروج على سلطته يعني مروقا عن الدين

منذ ذلك الحين، انطلق الحديث عن تيار المداخلة أو المدخلية، نسبة إلى ربيع المدخلي، المتخصص في الجرح والتعديل، حيث اعتبر الكثير من الباحثين ورجال الدين أن هذا التيار جاء فقط لأجل خدمة الأنظمة الحاكمة وتكريس حكمها، وذلك من خلال توفير مختلف الأحكام الشرعية التي تحتاجها من أجل إضفاء الشرعية على قراراتها المثيرة للجدل، وأيضا بغية “ضرب” المعارضين لها، لاسيما أولئك الذين ينهلون من نفس المعين الديني للأنظمة، متنازعين شرعية احتكار المقدس مع “أولياء الأمر”.

ما عدا السلطة، كل شيء “بدعة”

يصف المداخلة أنفسهم باعتبارهم ينتمون إلى السلف من أهل السنة والجماعة، فالكثير من أدبياتهم تحرص على التشديد على هذا الانتماء “المفصلي”.

حسب العديد من المتخصصين في التيارات الدينية، يعتبر هذا الحرص استراتيجية مدروسة، يتوخى منها المدخليون اكتساب شرعية الوجود والحديث، لمزاحمة التيارات الدينية السائدة التي تنسب نفسها أيضا إلى هذا الانتماء، من قبيل التيار السلفي والإخوان المسلمين.

حرص المداخلة على الانتماء إلى أهل السنة والجماعة، ولو أنهم يفهمون هذا الانتماء على نحو خاص، يُفسر وفق الكثير من الملاحظين، بالنظر إلى “تبديعهم” لكل الأحزاب السياسية من مختلف المشارب الإيديولوجية، خصوصا الأحزاب الإسلامية منها.

زعيم المداخلة عن الإخوان المسلمين: “أنا لا أسميها جماعات، فأعتبر هذا من المغالطات، لأنه ليس للأمة الإسلامية إلا جماعة واحدة، هذه فرق، وعلماء الإسلام اصطلحوا على تسميتها فرق منذ وجدت هذه الفرق وأخذا من قول الله (ولا تفرقوا)”.

المداخلة يعتبرون أن الانتماء للأحزاب السياسية خروج عن الشرع والملة، لما في ذلك من إذكاء للصراع والخلاف بين المسلمين. في هذا الصدد، يعتقد المدخليون أن الجماعة، وفق فهمهم لها، هي التماهي مع الحاكم، فالحاكم في نظرهم هو ممثل الجماعة، والخروج على سلطته يعني مروقا عن الدين ووقوعا في المحظور الذي نهى عنه الشرع. لذا، فالأحزاب السياسية عندهم محرمة بشكل مطلق، لأنها تنفلت من الجماعة.

إقرأ أيضا: موقع الدين في نظام الحكم بالمغرب: إمارة المؤمنين، حكاية البدايات..

هنا، تنتصب حالة جماعة الإخوان المسلمين كمثال بارز عما يعنيه حقيقةً تحريم الانتماء إلى الأحزاب والجماعات الإسلامية عند المدخلية؛ إذ سئل يوما زعيم المداخلة عنها فأجاب: “أنا لا أسميها جماعات، فأعتبر هذا من المغالطات، لأنه ليس للأمة الإسلامية إلا جماعة واحدة، هذه فرق، وعلماء الإسلام اصطلحوا على تسميتها فرق منذ وجدت هذه الفرق وأخذا من قول الله (ولا تفرقوا)”.

ومن الأمور التي تدخل في خانة البدع، حسب التيار المدخلي، يمكن الإشارة أيضا إلى تحريم الخروج في المظاهرات والاحتجاجات، سواء للمطالبة بالحقوق والإصلاحات أو للمطالبة بإسقاط الأنظمة، وذلك بذريعة أن هذه المظاهرات من البدع التي لم تكن موجودة في عهد النبي ولا في عهد الصحابة.

في هذا السياق، لاحظ مجموعة من المراقبين انتشار فتاوى تبديع المظاهرات خلال أحداث ما سمي بالربيع العربي، معتبرين بأنها مواقف سياسية مغلفة بأحكام دينية مختلف فيها.

يدخل في خانة البدع، حسب التيار المدخلي:، الخروج في المظاهرات والاحتجاجات، سواء للمطالبة بالحقوق والإصلاحات أو للمطالبة بإسقاط الأنظمة

بالإضافة إلى تحريم الاحتجاجات، خالف المداخلة إجماع جمهور الفقهاء في الإسلام فيما يخص إسداء النصح للحكام؛ فحسب الكثير من النصوص للشيخ ربيع المدخلي يمنع منعا باتا تقديم النصح للسلطة، استنادا إلى أن ذلك لا يجوز في الشرع، ومن أراد النصح عليه أن يسلك دروب السر وليس العلن.

حقيقة دعم الدول

ينشط المداخلة بالأساس في المملكة العربية السعودية، حيث ظهروا لأول مرة على يد الشيخ محمد أمان الجامي، وبصفة خاصة مع الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، الذي ينسب التيار إليه، كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الجزء الأول من هذا الملف.

ويشير العديد من الملاحظين إلى أن أتباع هذا التيار يحسبون على رؤوس الأصابع، وليس لهم تمثيل كبير في البلدان الإسلامية، اللهم بعض الوجوه “المغمورة” التي تنسب نفسها إليه، خصوصا في مصر.

بالمقابل، لاحظ الكثيرون أن التيار المدخلي، يحضر بنسبة كبيرة في شاشات القنوات الفضائية، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل لا يعكس حجمه الفعلي في المجتمعات الإسلامية، مقارنة مع بقية التيارات الدينية، متحدثين عن نوع من “التمكين” السياسي ترعاه دول إسلامية وأجهزتها الاستخبارتية.

حسب الكثير من النصوص للشيخ ربيع المدخلي يمنع منعا باتا تقديم النصح للسلطة، استنادا إلى أن ذلك لا يجوز في الشرع

وبالرغم من أن الممثلين لهذا التيار بالمغرب منعدمون تقريبا، إلا أن هذا لم يمنع بعض السلفيين والنشطاء الإسلاميين من إبداء ريبتهم إزاء بعض الأنشطة التي نٌظمت في المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي استُقدمت إليها بعض الوجوه المحسوبة على التيار المدخلي من المملكة العربية السعودية.

إقرأ أيضا: حينما رفس القوم ابن تيمية لتجسيده “جلوس” الله

على سبيل المثال، شهدت منطقة تيكيوين في مدينة أكادير المغربية، في أبريل 2012، تنظيم نشاط حمل عنوان “دورة إمام دار الهجرة مالك ابن أنس الرابعة”، استقدم إليها شيوخ بارزين من السعودية، وألقى فيها الشيخ ربيع المدخلي دروسا عبر الهاتف.  نفس الشيء أيضا مع “دورة الملك سليمان الثانية” التي نظمت في الناظور من 19 إلى 24 مارس 2014، وغيرها من الدورات، إذ وصل معدلها إلى دورتين خلال سنة واحدة كما هو الحال سنة 2015.

فالمداخلة، حسب معارضيهم، ليسوا أكثر من جماعة سياسية تختبئ في عمامة الدين والأحكام الشرعية، لخدمة الأنظمة القائمة وتسويغ حكمها، في حين يرى المدخليون أن هؤلاء المعارضين غرضهم تدمير الدين وتحطيم أركان الأمة الإسلامية القائمة. وبين هذا وذاك، يقف المسلمون مشدوهين في تأمل هذا الجدل الكلامي الدائر حول العقيدة والفرقة الناجية في القرن الواحد والعشرين.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *