×
×

أفلام عادل إمام التي أغضبت الإخوان

في أغلب أفلامه، يثير عادل إمام مواضيع حساسة تتقاطع مع الواقع المعاش. من ذلك، الأفلام التي تناول فيها قضية التيارات الدينية ورغبتها في فرض نموذجها في الحكم والمجتمع، الأمر الذي …

في أغلب أفلامه، يثير عادل إمام مواضيع حساسة تتقاطع مع الواقع المعاش. من ذلك، الأفلام التي تناول فيها قضية التيارات الدينية ورغبتها في فرض نموذجها في الحكم والمجتمع، الأمر الذي جر عليه، في الكثير من الأحيان، موجة انتقادات كبيرة، وصلت إلى حدود المحاكم المصرية.

في هذه الورقة، نحاول أن نعرض بعضا من أهم الأعمال السينمائية لعادل إمام، والتي أثارت حفيظة التيارات الدينية، وفي مقدمتهم جماعة الإخوان المسلمين.

الفنان المصري عادل إمام، 76 سنة، هو في نظر الكثيرين قامة فنية كبيرة قدمت للسينما العربية أعمالا خالدة، ما تزال إلى الآن مرجعا مهمّا لمعرفة تطور الفن السابع بالبلاد العربية، وبالأخص في مصر. ولعل أهمية أعمال عادل إمام راجعة بالأساس إلى المواضيع التي تعالجها، والتي اعتبر الكثير من النقاد أنها كسرت إلى حد بعيد طابوهات ثالوث السياسة والدين والجنس.

علاقة عادل إمام بالمواضيع المرتبطة بالدين بدأت منذ بداياته المسرحية الأولى

من بين أعمال عادل إمام التي أثارت جدلا كبيرا، سواء في أوساط الجمهور أو حتى لدى شريحة واسعة من النقاد، تلك المتعلقة بالدين والجماعات الدينية. فالجرأة الكبيرة التي تميزت بها، مازجة بين الدراما والكوميديا الهزلية، جعلت النجم المصري محط انتقادات واسعة، وصلت حد المتابعة القضائية، إذ رأت بعض التيارات الدينية أن في هذه الأعمال “ازدراء للدين الإسلامي وسخرية من المقدسات ورجال الدين”.

الإرهابي

علاقة عادل إمام بالمواضيع المرتبطة بالدين بدأت منذ بداياته المسرحية الأولى، إلا أنها لم تكن محورا موحدا في أعماله حينها، بل كان يعالجها بشكل عرضي وليس كتيمة رئيسية. غير أن اللحظة الفارقة في معالجة عادل إمام للمواضيع المرتبطة بالدين، أو بالتحديد المرتبطة بالتيارات الدينية، كانت أواسط التسعينات من القرن الماضي، مع فيلم “الإرهابي”، وهو من تأليف الكاتب لينين الرملي، ومن إخراج نادر جلال، لعب عادل إمام فيه دور البطولة، وعُرض في القاعات السينمائية سنة 1994.

أهمية أعمال عادل إمام راجعة بالأساس إلى المواضيع التي تعالجها، والتي اعتبر الكثير من النقاد أنها كسرت إلى حد بعيد طابوهات ثالوث السياسة والدين والجنس.

يحكي الفيلم قصة علي عبد الظاهر (عادل إمام)، شاب في الثلاثينات من عمره، عضو في جماعة إرهابية، يأمره زعيم الجماعة، الأخ سيف (أحمد راتب)، بتنفيذ عملية إرهابية. عند انتهائه من تنفيذها، تداهمه الشرطة. أثناء هروبه منها، تصدمه سيارة لشابة تدعى سوسن (شيرين)، فتستضيفه في بيتها لعلاجه، لتكون تلك فرصة “للإرهابي” أن يبتعد عن أنظار الشرطة التي كانت تبحث عنه في كل مكان.

اقرأ أيضا – منع الكتب، سلاح الاستبداد في مواجهة التحرر

من هنا، سيتخذ الفيلم منعطفا مغايرا، حيث سيجد الإرهابي المتشدد نفسه وسط عائلة مصرية متفتحة، إذ سيتعرف على عائلة شيرين المكونة من الأب الدكتور عبد العزيز (صلاح ذو الفقار) والأم (مديحة يسرى) والابن (إبراهيم يسرى) والابنة الصغرى (حنان شوقي).

باحتكاك الإرهابي المتطرف مع الأسرة، وتعرفه على عاداتها وقيمها، سيعيد النظر في كثير من الأفكار التي كان يقنعه بها أمير الجماعة الإرهابية، الذي كان يواجهه دائما بالقول كلما عن له مناقشته في شيء ما: “لا تجادل ولا تناقش يا علي، فهذا شيء خطير”.

في أدبيات العلوم السياسية، تعتبر الثورة من أسمى الأنشطة التي يمكن أن يقوم بها البشر، وذلك لأنها تتوخى تحقيق أغلى ما طمح إليه الإنسان دائما: الحرية

بتوالي الأحداث، ستنشأ علاقة حب بين الإرهابي علي عبد الظاهر، وشيرين التي صدمته بالسيارة. آنذاك سوف يرى “الإرهابي” العالم من زاوية أخرى، الأمر الذي سيفضي إلى تمرده على جماعته، والتي في النهاية، سوف يأمر أميرها الأخ سيف بقتله بسبب أن “قعدته وسط الكفرة زعزعت عقيدته وأضعفت إيمانه”.

بصفة عامة، يُصوّر الفيلم سطوة الظروف في ظاهرة الإرهاب؛ فإذا كانت البيئة مناسبة، تضمن استقلالية الفرد وتعطيه فرصة للتعبير عن ذاته ومناقشة الأفكار، حيث يصير من المستبعد أن يميل إلى التطرف والتشدد، بل وحتى من المحتمل جدا أن يعدل عنهما على نحو كبير كما هو الحال مع علي عبد الظاهر.

عادل إمام، في إحدى مقابلاته الصحافية، قال إنه تلقى تهديدات عديدة بالقتل في حال تصوير الفيلم. وبالفعل، أخذ طاقم الفيلم هذه التهديدات بجدية كبيرة، إذ صور الفيلم تحت حراسة أمنية مشددة، تجنبا لكل ما من شأنه تعريض الطاقم لأية محاولة قتل.

طيور الظلام

فيلم “طيور الظلام” أيضا جرّ على عادل إمام، منذ صدوره سنة 1995، موجة غضب كبيرة من طرف تيارات إسلامية عديدة، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر.

هذا الفيلم يعتبر واحدا من أشهر أعمال النجم المصري وأكثرها إثارة للجدل، وهو من إخراج شريف عرفة، المخرج الذي تعامل معه عادل إمام في الكثير من أفلامه الناجحة، سيناريو وحوار وإنتاج وحيد حامد، أحد أهم الكتاب في الدراما المصرية.

“طيور الظلام” يقتفي حكاية ثلاثة محامين أصدقاء، جمعتهم مقاعد الدراسة في الجامعة، وفرّقتهم سبل الحياة العملية والاختيارات الإيديولوجية؛ فتحي نوفل (عادل إمام) المحامي القادم من الصعيد والباحث عن المجد والترقي الاجتماعي، وعلي الزناتي (رياض الخولي) المحامي القادم من عالم النضال اليساري في الجامعة، والذي انضم إلى جماعة إسلامية متطرفة بحثا عن الترقي السريع. ومحسن (أحمد راتب) الموظف البسيط في شركة للحلويات، الذي اختار المحاسبة على القانون، مفضلا الاكتفاء بالمشاهدة من بعيد دون أن ينخرط في البحث عن الجاه والمجد على غرار صديقيه الأولين.

مع تطور الأحداث، التي تتوزع بين الدراما والكوميديا والعنف، تتضح معالم هذه الشخصيات الثلاثة. فتحي نوفل يصبح مديرا لديوان أحد الوزراء ويراكم ثروة كبيرة، استعان في جمعها بمهنية جنس تدعى سميرة (يسرا)، كان قد ترافع لصالحها في بداياته الأولى كمحامي، بحيث صارت فيما بعد مساعدته في الكثير من الحيل التي كان يخطط لها من أجل الترقي في السلم الاجتماعي.

اقرأ أيضا – أوتوبيس 678: وللتحرش سينماه

بالمقابل، يسلك “علي الزناتي” طريقا آخر مختلفا تماما، وإن كان يجمعه مع فتحي نوفل الطموح نفسه أي الجاه والثروة، إلا أنه يتورط في عمليات إرهابية تنفذها جماعته التي ينتمي إليها، والتي عملت على دعمه ومساندته في مجال المحاماة حتى يصبح ذا شأن.

محسن، ثالث الأصدقاء، والموظف البسيط، سيحضر في الحكاية كمرادف للمواطن المصري البسيط، الذي يفضل الاستقرار الأسري وراحة البال على مشاق السياسة ودسائسها التي لا تنتهي، رغم أن فتحي نوفل كان يحاول مرارا أن يستميله للاشتغال معه، أو أن يقبل بمنصب أكبر يناسب ذكاءه، كما كان يؤكد له دائما، إلا أن محاولاته كلها باءت بالفشل.

بالرغم من اختلاف مسارات كل من فتحي نوفل وعلي الزناتي، إلا أن القدر كان يخبئ لهما مصيرا مشتركا، حيث انتهى بهما المطاف في السجن معا. الأول لأنه أقدم على ألاعيب كبيرة داخل النظام نفسه، مما جرّ عليه غضب بعض أعمدته التي كانت تسعى إلى الإطاحة به.

بالمقابل، كان الزناتي يشق طريقه على هامش الدولة بانخراطه في جماعة متطرفة متغلغلة في نسيج المجتمع. الأخيرة كانت تعمل على محاربة الدولة، الأمر الذي لفت انتباه أجهزتها للمنتسبين لهذه الجماعة، ومنهم المحامي علي الزناتي الذي كان يرافع للدفاع عن “إخوانه”.

اقرأ أيضا – عن الغزالي وابن رشد: مشاهد من جريمة اغتيال

ويرى العديد من المتتبعين أن أحداث الفيلم تنبأت فعلا بالأحداث التي ستعرفها مصر بعد 18 سنة فيما بعد، وبالتحديد بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، حيث انتهى الأمر برموز النظام السابق رفقة رموز المعارضة نزلاء في سجن واحد.

وإلى الآن يبدو أن التحدي الذي عقده “علي الزناتي” في الفيلم مع “نوفل فتحي”، انتهى بانتصار هذا الأخير، على اعتبار أن رموز النظام السابق في مصر غادروا السجون، بينما رموز المعارضة ممثلة في الإخوان لا تزال تقبع فيها.

محاكمة عادل إمام

في أدبيات العلوم السياسية، تعتبر الثورة من أسمى الأنشطة التي يمكن أن يقوم بها البشر، وذلك لأنها تتوخى تحقيق أغلى ما طمح إليه الإنسان دائما: الحرية.

إلا أن ثورة 25 يناير 2011 في مصر لم تحمل معها رياح الحرية كما كان ينبغي، فقد كانت “طيور الظلام” متربصة بأحلامها الوردية، حيث عمدت بعض وجوهها إلى رفع دعوى قضائية ضد عادل إمام، أحد أكثر الفنانين المصريين موهبة، على حد تأكيد مختلف الخبراء.

كانت تهمة عادل إمام “سوريالية”، في نظر مجموعة من التقارير الصحافية، ولم يسبق لها مثيل: تهمة ازدراء الأديان. رأى العديدون في هذه التهمة بأنها تصفية حسابات بأثر رجعي، مع فنان لا يخشى في “الإبداع” لومة أحد، معتبرين أنها رسالة سياسية واضحة من “سادة” عصر ما بعد الإطاحة بالنظام المصري، ولم يكن هؤلاء سوى جماعة الإخوان المسلمين، التي لطالما تناول “الزعيم” مواضيع متعلقة بها.

لحسن حظ “الزعيم”، شاءت أقدار الثورة أن تتغير كفة موازين القوى في غير صالح “طيور الظلام”، التي استطعت فعلا اقتلاع حكم غيابي على عادل إمام بالحبس ثلاثة أشهر، في تاريخ 2 فبراير 2012، إلا أن محكمة الاستئناف قضت ببراءته، ذاكرة في تفاصيل الحكم أن الأمر يتعلق فقط بمشاهد سينمائية “تظهر الأنماط السلوكية الخاطئة في المجتمع”.

اقرأ يضا – مدينة عدن تتنفس فنًا وموسيقى بعد سنوات الحرب والتطرف الديني

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *