×
×

حسين الوادعي يكتب: عن الخوف والرعب

لا أطيق أفلام الرعب ولا رواياته، ولست أدري ما يجذب الناس لها. قد يعود ذلك الى كوني (كأغلب الأطفال اليمنيين السعداء جدا) عشت طوال حياتي في حالة رعب حقيقة خارج …

لا أطيق أفلام الرعب ولا رواياته، ولست أدري ما يجذب الناس لها.

قد يعود ذلك الى كوني (كأغلب الأطفال اليمنيين السعداء جدا) عشت طوال حياتي في حالة رعب حقيقة خارج شاشة السينما.
الرعب من عصا المدرس المصري العريضة الملفوفة بعناية بشريط لاصق حتى لا تتكسر عندما تهوي على أكفنا الصغيرة في الصباح البارد.

الرعب من الأولاد المتنمرين بقاماتهم الطويلة واستعدادهم الاستثنائي للقتال.

مخزون الرعب اليمني حقيقي جدا. ما ينقصنا فقط هو المستثمر الذكي.

الرعب من ثعبان الشجاع الأقرع الذي سيعتصرني في قبري بعد الموت حسب روايات شيخ الجامع.

الرعب من ملك الموت الذي يراقبني من سقف الغرفة مستعدا لقبض روحي في هواياته الغامضة لقبض الأرواح بدون موعد مسبق.

والرعب من الملاك المتخصص في تسجيل السيئات الذي يسكن، دون إيجار، في كتفي الأيسر ليتنافس مع ملاك الخير في كتفي الأيمن على تسجيل كل خطاياي الطفولية من قراءة القصص المصورة سرا إلى التفكير في مواعدة بنت الجيران.

وكلما كبرت في العمر، كان كشف الرعب يطول ليضم: الرعب من البطالة والرعب من الفشل والرعب من حَب الشباب وآثاره المحفورة بالأسيد على الوجه.

اقرأ لنفس الكاتب: ومازال المسلمون مختلفين حول أركان الإسلام…

منذ ولادتي حتى اليوم، شهد اليمن السعيد 6 حروب جزئية وشاملة. لكن الحرب الأخيرة حولت حياة اليمنيين إلى فيلم رعب طويل يعرض على مدار الساعة معتمدا على كل التيمات الشهيرة لأفلام الحرب من أكل لحم البشر إلى تقطيع الأجساد بالمناشير إلى الأرواح الشريرة التي تخنقك أياديها الممتدة من تحت السرير.

على عكس كتاب العالم الحر، اكتشفت أن لحظة الرعب الكبرى عند الكاتب العربي هي عندما يفهم الناس أفكاره على حقيقتها.

لا زالت الدهشة تتملكني عندما أشاهد يمنيا يترك كل هذا الرعب الحي والمجاني لينعزل في غرفته ويشاهد فيلم رعب هوليوودي سيء الصنعة.

بدأت القراءة في وقت مبكر واكتشفت أن القراءة في مجتمع تقليدي هي طريقك إلى شحنة زائدة من الرعب. والرعب الأكبر يبدأ عندما تلاحظ أن أفكارك تصبح تدريجيا مختلفة عن أفكار المحيطين بك، وأنك صرت وحيدا مثل بطل فيلم رعب تحاصره الأرواح الشريرة في غرفته بانتظار تقطيعه وأكله عند منتصف الليل.

اقرأ لنفس الكاتب: الوصايا العشر لإصلاح علاقة الإسلام بهذا العصر

أما إذا قادتك القراءة إلى الكتابة، فأنت هنا تبلغ أقصى حالات الرعب والخوف المرضي.

لقد أتيحت لي الفرصة للتعرف على أبرز كتاب وأدباء اليمن الأحياء، فوجدتهم كتيبة من المرعوبين ليلا ونهارا… يقرؤون برعب ويكتبون برعب ويحبون برعب وينامون وكل كوابيس الرعب تزورهم في مناماتهم…

اكتشفت أن أعظم مؤلفَين ومخرجَين لأفلام الرعب في الوطن العربي هما رجل الأمن ورجل الدين.

على عكس كتاب العالم الحر، اكتشفت أن لحظة الرعب الكبرى عند الكاتب العربي هي عندما يفهم الناس أفكاره على حقيقتها. فما إن يكتب أحدهم مقالا جيدا وصادقا حتى يغرق في نوبة رعب، وينتظر في غرفته مطأطئ الرأس بانتظار زيارة غير ودية من شخص لم تعجبه أفكاره.

في الجامعة، عثرت على كتاب: “سأخون وطني… هذيان في الرعب والحرية” لمحمد الماغوط… هذا العبقري المتمرد ليس شاعرا كبيرا فقط. إنه مرعوب عظيم… خائف من كل شيء. تحس بالرعب في كل كلمة يكتبها. عندما يتحدث عن حياته مع الرعب، ينقل لك كل مشاعره وأحاسيسه ويزرعها داخل قلبك.

كان هذا الكتاب آخر وأشمل فيلم رعب قرأته/شاهدته.

اقرأ لنفس الكاتب: لماذا يؤمنون بنظرية المؤامرة؟

بعدها، اكتشفت أن أعظم مؤلِّفَين ومخرجَين لأفلام الرعب في الوطن العربي هما رجل الأمن ورجل الدين. كلاهما يتفننان في تحويل حياتك إلى حلقة تلفزيون واقع مشحونة بالمفاجآت المرعبة والعيون المتلصصة على روحك وأفكارك في الظلام.

من هذه التجربة، اكتشفت أن مراحل النمو عند اليمني/العربي ليست الطفولة والمراهقة والشباب والكهولة، لكنها أربع مراحل أخرى مختلفة، هي مرحلة الخوف ثم مرحلة الجزع ثم مرحلة الهلع ثم مرحلة الرعب.

لا زالت الدهشة تتملكني عندما أشاهد يمنيا يترك كل هذا الرعب الحي والمجاني لينعزل في غرفته ويشاهد فيلم رعب هوليوودي سيء الصنعة.

فسر اللغويون الرعب بأنه حالة “الامتلاء بالخوف” حين تفقد القدرة على الكلام أو التفكير أو الحركة!

لدينا فائض من الرعب نستطيع تصديره للإنسان الآمن المرفه الذي يفتقد لحظات الرعب والفوضى في حياته. فلماذا لا نكون المبادرين في قائمة الدول “المصدرة للرعب”؟ خاصة أنه يمكن أن يكون مخزونا استراتيجيا ثمينا لجلب العملة الصعبة والاستثمارات. لعل أغلبكم شاهد فيلم الرسوم المتحركة “شركة المرعبين” Monester Inc، التي يستثمر فيها المرعبون صرخات الأطفال من أجل توليد الطاقة الكهربائية!

حسنا… مخزون الرعب اليمني حقيقي جدا. ما ينقصنا فقط هو المستثمر الذكي.

هذا الأسبوع، تجمدت الدماء في عروقي (كما يقولون في قصص الرعب) عندما أخبرني أولادي أنهم سيحتفلون بعيد الهالوين في المدرسة. رغم أنهم نالوا حظهم من رعب الانفجارات والقذائف والصواريخ من بداية الحرب، إلا أن حماسهم لوجبة جديدة من الرعب المدرسي كان مذهلا…

اقرأ أيضا: الحرب… لعنة البشرية؟ 3/1

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *