×
×

فيروس كورونا وسيكولوجية الجماهير

إثر انتشار أخبار اتساع رقعة فيروس كورونا 19 وحلوله بالمغرب، اختلط الحابل بالنابل وكثر المنجمون والعرافون لما ستؤول إليه الأمور في القريب العاجل ومدى تأثير ذلك على الحياة اليومية للمواطن المغربي.

تطور الاهتمام نتيجة تحسس المغاربة لخطورة الوباء انطلاقا من سيناريوهات الصين أولا حيث كان الخطر مجرد نكتة وفسحة للترفيه عن النفس في مختلف التجمعات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، مرورا بتجربة إيطاليا القريبة جغرافيا حيث بدأ الجميع يلامس الخطر القادم من الشمال، خصوصا بعد انتقال العدوى إلى باقي بلدان أوروبا واستفحاله في بلدان الجوار كإسبانيا.

بدت الحركة غير عادية قبل حوالي عشرة أيام بعد التداول الكبير لجدية خطر العدوى سواء كانت المصادر رسمية وطبية أو على مستوى فوضى مواقع التواصل الاجتماعي حيث الكذب والمبالغة والتهويل والأخبار الزائفة والإشاعة… نتيجة لذلك، عمّ القلق فئة عريضة من المجتمع المغربي وأصبح الإقبال كبيرا وغير معتاد على اقتناء المستلزمات الضرورية وغير الضرورية بشكل أقل ما يمكن وصفه به أنه “هستيريا” أو “سعار” استهلاكي.

صراع شرس بين غريزتي البقاء والموت على طريقة الفيلم السينمائي الأمريكي Contagion، الذي أنتج منذ ما يقارب عقدا من الزمن استعدادا لسبات عميق محتمل أو لكارثة بيئية وشيكة.

قلق المواطن يمكن تفهمه في حدود معينة، في سياق تفسخ قيم التكافل والتضامن الاجتماعي الحقيقي من جهة، وأزمة الثقة في المؤسسات من جهة أخرى، حيث يحس المواطن بأن مصيره في زمن الأزمة هو مواجهة قدره بنفسه متحملا لطمات أمواج الفساد الإداري والإهمال الخدماتي؛ كما نجده بشكل بارز مثلا في قسم المستعجلات داخل المستشفيات.

لكن، مع ذلك، يبقى هذا الوضع “عذرا أقبح من زلة”، لأن الكوارث تتطلب “الانضباط” قبل كل شيء؛ وهنا يبدو أن المشكل في التعامل مع هكذا أزمات هو تربوي بالأساس… ولنا في شعب المليار والنصف نسمة إسوة حسنة في ذلك.

رد الفعل العبثي والمستهتر من طرف فئة غير يسيرة من الشعب المغربي ينم عن افتقار لثقافة “تدبير الأزمات”، خصوصا الصحية منها.

يكمننا أن نقسّم ردود الأفعال هذه إلى فئتين؛ فئة المستهترين وفئة تعاني من نوع من الوسواس القهري.

ماذا تقول الدراسات النفسية؟

أعضاء فئة اللا مبالين يتصرفون بأنانية كبيرة نتيجة اعتقادهم أنهم بمنأى عن الوباء، مادامت أوزانهم تتعدى الثمانين كيلوغراما وثقتهم بقوة مناعتهم كبيرة. أنانيون لأنهم لا يبالون باحتمال نقلهم العدوى لفئات هشة كالأطفال والأشخاص المسنين، تماشيا مع قاعدة أنا وبعدي الطوفان. بهذا الشكل، يكونون أكثر خطرا من الوباء نفسه…

أما الفئة الثانية، فتشمل من لهم “استعداد سيكولوجي” لتضخيم حالة القلق الناتجة عن الوباء، أو ما يسمى في السيكولوجيا تحديدا بالوسواس القهري “كنوع من الاضطرابات النفسية المرتبطة بالقلق، تتميز بأفكار ومخاوف غير منطقية (وسواسية) تؤدي إلى تكرار بعض التصرفات إجباريا (قهريا)، مما يعوق الحياة اليومية” – الموقع الرسمي لوزارة الصحة[1]-.

هذه الاضطرابات السلوكية تصرف بشكل واع أو غير واع، حيث يعمل المصاب بها على تجاوزها، مما يزيد من شعور الضيق والقلق. وعليه تبقى هذه التصرفات بالنسبة لهم إلزامية للتخفيف من حدة القلق.

هذا الوضع يعتبر مجالا خصبا لإنتاج وترويج “الإشاعات” باعتبارها، حسب تعريف البوت Allport “معلومة عامة نقدمها على أنها صحيحة، دون التوفر على معطيات ملموسة للتأكد من صحتها”[2].

تفسير الظاهرة حسب نفس المرجع هو أن للإشاعة وظيفة مزدوجة؛ فهي من جهة تحاول تقديم تفسير للأزمة وأيضا هي محاولة التخفيف من التوترات العاطفية…

هذا النمط من المعلومات المغلوطة يمر أساسا عبر ما يسمى بالتواصل الجمعي أو العام إن صح التعبير؛ والذي يفيد مجموع تقنيات النشر العامة التي تستهدف الجمهور. كما أن دراسة سيكولوجية [3] أجريت من طرف مجموعة من الباحثين بمعهد king’s College de Londres البريطاني ونشرت في المجلة الطبية “the Lancet” حول تأثيرات حالة الحجر الصحي خلصت إلى أن االأخير يعتبر بمثابة وضعية “غير مريحة”.

التقرير استند على دراسات سابقة أجريت في عشر دول على أشخاص مصابين بـ “سارس\Sars” (11 بحث)، إيبولا (5 أبحات)، إنفلونزا H1N1 ما بين 2009 و 2010 (3 أبحاث) وبحثين في الشرق الأوسط حول متلازمة تنفسية \ syndrome respiratoire.

نتائج هذه الدراسة أكدت أن “الفصل عن الأحباء و الأقارب، فقدان الحرية، والشك في حالة وطبيعة المرض، يؤدون الى نتائج دراماتيكية”.

كما تؤكد نفس الدراسة إحصائيا وجود خطر “التبعية = la dépendance”  على المستوى البعيد وتبسط النسب بالصيغة التالية : الأشخاص الموضوعون في الحجر الصحي بسبب قربهم من الأفراد المحتمل إصابتهم بـ سارس=Sars أفرزت نسبة خوف بأكثر من (20%)، العصاب= Nervosité بنسبة (18%)، وأيضا القلق بنفس النسبة (18%).

كما تضيف نفس الدراسة أن نسبة أرتفاع عرض توتر ما بعد الصدمة  symptôme de stress post-traumatique يزيد بشكل دال بعد تجاوز مدة الحجر لعشرة أيام.

أما على المستوى البعيد، تضيف نفس الدراسة، فإن الآثار النفسية قد تتمظهر على شكل إدمان على الكحول مثلا كما حدث مع عدد من الأشخاص بعد ثلاثة أشهر من وباء سارس\Sars..

الدراسة إذن تبين مدى حساسية الوضع وأهمية كسب الرهان السيكولوجي استنادا لمعطيات علمية دقيقية والتعامل مع الوباء بشكل جدي، سواء من طرف المواطنين أو السلطات الصحية والرسمية مراعاة للصحة النفسية والعقلية للمواطنين في الظرف الراهن؛ خصوصا وأن احتمال تفاقم الوباء وارد بشكل قوي.

[1] https://www.moh.gov.sa/HealthAwareness/EducationalContent/Diseases/Mental/Pages/003.aspx
[2] G-N Fischer : (les concepts fondamentaux de la psychologie sociale), édition DUNOD, page 165
[3] فرانس24 موقع : https://www.france24.com/fr/20200319-stress-post-traumatique-confusion-et-col%C3%A8re-les-effets-psychologiques-du-confinement

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *