×
×

من مصر، محمد حميدة يكتب: أكذوبة الفن مرآة المجتمع

أتذكر جيدًا ذات مرة حين كنت بجوار أحد كبار المخرجين المصريين بأحد الصالونات الأدبية، وكان النقاش حول إشكاليات المشهد الفني والإعلامي في مصر، وجاء مجمل طرحه أن “الفن مرآة المجتمع”. اختلفنا في الرأي بالطبع، إلا أنه من المدهش أن بعض من وافقوه الرأي يطالبون الآن بضرورة التصدي للظواهر السلبية التي باتت تمثل كارثة على تاريخ الفن المصري وحاضره ومستقبله.

“الفن مرآة المجتمع”، جملة رسخت على مدار السنوات الماضية، وربما أتفق في أن نسبة كبيرة منها حقيقية. لكن هذا الأمر اختلف كليًا في السنوات العشر الأخيرة في مصر، بعدما أصبح الفن تجارة لا رسالة ولا مرآة، بل أصبح مقياس الأعمال الفنية يتم من خلال نسبة الأرباح وشباك التذاكر. هنا، تحولت المرآة إلى مرآة مشطورة لا تعكس إلا الوجه الذي يحقق الغاية، وأصبحت مرآة لا يُرى فيها إلا القبيح، وربما ساهمت في ذلك أيضًا عمليات الإقصاء للإبداع والفن الحقيقي أو عدم توفر المناخ والدعم اللازم له.

اقرأ لنفس الكاتب: “الممر” عبور جديد لاستعادة السينما المصرية من تجار الجسد

أوقن أن الأدباء والكتاب حين يكتبون، فإن حصيلتهم اللغوية ومفرداتهم تعكس صورة عن مجتمعاتهم ونرى ذلك في القصائد والأعمال الروائية والقصص القصية، حتى أن لغة الكتاب وهم أبناء دولة واحدة تختلف طبقا لهذه الحصيلة والمؤثرات المحيطة. إلا أن الكتابة والإبداع، حتى وإن تغلغلت في عمق الظواهر السلبية، فإن رسالتها السمو والارتقاء، لا الدفع نحو تفشي هذه الظواهر، ومنها ما يحدث الآن في سوق الفن، والذي يتصدره مجموعة من أشباه الفنانين ومطربي الكباريهات الذين رأوا في الشارع والفضاء الإعلامي “مواخير” مفتوحة، وربما ساعدهم على عمليات التغييب والتهميش.

بعض الأسئلة تطرح نفسها حيال التمسك بمرآة المجتمع المشطورة، خاصة أن أي عمل في الحياة له رسالة، وباعتبار أن الفن هو أحد أوجه حضارات الشعوب. كانت الفنون في الماضي لا تخلو من الرسائل التي ترسخ للمظاهر الجميلة مع الإشارة للسلبيات أيضًا. إلا أن ما نشهده على الساحة الآن، يترجم أزمة حقيقة فيما وصل إليه مشهد الفن في مصر.

اقرأ لنفس الكاتب: تذكرة ذهاب فقط!

من المؤكد أن أي إبداع أو فن لا يجب أن يقيد أو تفرض عليه الرقابة، إلا أن هناك بعض الشروط التي يجب توافرها وعدم التنازل عنها، وكذلك عدم تسخير الأدوات للمساهمة بقصد أو دون قصد في عملية التسطيح والتهميش وإقصاء الجاد والهادف.

السؤال الآخر: هل ينحسر دور أهل الفن فى نقل ما يدور من مساوئ إلى الشاشات أو عالم الرواية أو عالم الموسيقى أو الفضاءات الإعلامية؟ وهل أصبح المجتمع كله بهذا السوء المقدم؟ للإجابة على هذه الأسئلة سنجد أننا بحاجة إلى الحديث بشكل أعم من أن نُحمل أهل الفن الجريمة كاملة؛ خاصة أن الكثير من الأطراف شريكة في هذه الجرائم، بداية من شاشات القنوات التي أسهمت في نشر المحتوى السيء بهدف المشاهدات الأعلى، وكذلك الصحف التي باتت تبحث عن الشيء نفسه، وتعمد الإثارة والتضليل في مقابل الربح أو الانتشار.

إجابة أخرى أكثر جدية تتمثل في أن المرحلة الحالية ليست الأولى من نوعها؛ لكن الآليات اختلفت. دائمًا، كانت هناك فترات انحسار وانكسار. الحضارات جميعها تشهد انتشارًا لمستويات رديئة من الفن يقوم عليه من يجيدون التجارة في كل شيء دون خجل.

على سبيل المثال، في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين تصدرت الكثير من الأعمال السينمائية التي تفوق بعض الأعمال الحالية من الرداءة نتيجة الاحتلال وبعض الفساد الآخر على مستويات عدة، بينما فى الخمسينيات والستينيات نجد أن الأعمال التي قدمت هي ما تمثل صورة مصر الذهنية حتى الآن في الداخل والخارج.

اقرأ أيضا: أوتوبيس 678: وللتحرش سينماه

أذكر أنه خلال زيارتي الأخيرة للمغرب مطلع العام 2020، شاهدت تلك الصورة الذهنية بكل جوانبها ومقارناتها بين الفن المصري في الفترة السابقة، وما يقدمه الفترة الراهنة. لامست ذلك جيدًا من خلال التعامل مع كل فئات المجتمع المغربي الذي يقدس الفن المصري ويدرك قيمته أكثر من الكثير من المصريين أنفسهم.

الرفض الشعبي الكبير في الأيام الأخيرة لكل أشكال الابتذال يؤكد أن مقولة “الفن مرآة المجتمع”، تم استخدامها واستغلالها في السنوات الأخيرة، إلى جانب دخول آليات أخرى إلى حيز التأثير متمثلة في مواقع التواصل الاجتماعي التي باتت تساهم بشكل أكبر في ترسيخ الرداءة بهدف الربح على حساب الثقافة والفن الحقيقي الذي ما زال يحاول رغم كل التحديات.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *