×
×

سفيان البراق يكتب: كيف تطوّر مفهوم الفرد؟ 1/4

الفرد في حقبةِ أفلاطون وأرسطو كان مجرّد مصطلح بيولوجي ورياضي، بمعنى الواحد والشيء الذي لا يتجزّأ.
بعد هذه الفترة، سينتقلُ مفهوم الفرد إلى نطاق فلسفة الأخلاق ودخوله الظّافر للمجال السياسي، فأصبح يعني نوعاً من الكيّان الّذي يمكنُ أنْ يختلِط بمفهوم الشخص ليُفضي إلى مفهوم المُواطن الذي أصبح ممكناً أنْ يتحدّد من خلال زُمرةٍ من الحقوق.

سفيان البراق: طالب مجاز في الفلسفة

أروعُ إبداعٍ عرفهُ التاريخ البشري هو الثورة الفرنسية، التي ما انفكّ المفكرون الغربيون يُشيدون بها ويُغازلون أطوارها ومراحلها، مُنبهرين من نتائجها. لعلّ أبرز نتيجةٍ خلفتها هذه الثورة، هي بروز مفهوم الفرد L’individu. هذا الفرد صار يتمتّع بمجموعة من الحقوق التي سُلِبت منه في السابق عنوةً، وصار له دورٌ فعّال ومهم في المجتمع.

لكن بروز مفهوم الفرد جاء عبر تراكمٍ تاريخي، فاليونان ناقشوا مسألة الفرد، ثم عند ديكارت بشكلٍ من الأشكال.

عند أرسطو وأفلاطون، لم يكن الفرد حاضراً بشكلٍ فلسفي خالص، بل كانَ كجُزءٍ بشري منبوذ في المُجتمع. لم يكن حينها الفردُ غائبا، بل كانَ مُغيَّباً بطريقةٍ قصديّة وليست اعتباطية. أي أنّ ذلك يوحي بالاستهتار بالفرد والتنقيصِ من قيمته كجزءٍ لا يتجزأ من المجتمعات البشريّة.

الحداثة هي صدمة غزت أوروبا، وهي الّتي أنجبت مفهوم الفرد، أو بالأحرى تلك النزعة التي تعلي من شأن الفرد، وسيحتلُّ مركزيّة الكون، التي كانَ يحتلُّها الله في وقتٍ سابق.

نستشفُّ من هنا أن الفرد في حقبةِ أفلاطون وأرسطو كان مجرّد مصطلح بيولوجي ورياضي، بمعنى الواحد والشيء الذي لا يتجزّأ.

إقرأ أيضا: محمد عابد الجابري… المفكر الذي وضع العقل العربي على مشرحة النقد 2/1

بعد هذه الفترة، سينتقلُ مفهوم الفرد إلى نطاق فلسفة الأخلاق ودخوله الظّافر للمجال السياسي، فأصبح يعني نوعاً من الكيّان الّذي يمكنُ أنْ يختلِط بمفهوم الشخص ليُفضي إلى مفهوم المُواطن الذي أصبح ممكناً أنْ يتحدّد من خلال زُمرةٍ من الحقوق.

مفهوم الفرد كمفهومٍ فلسفي برز خلال القرن الثامن عشر، قرنُ الحريّة والأنوار، والإعلاء من شأن الفرد. ثم سيتحوَّلُ فيما بعد إلى مذهب يمكنُ أن يعتنقهُ أيُّ شخص. الحديث هنا عن مفهوم الفردانيّة… هذه الفردانية هي استكمالٌ لاكتشاف الأوروبيين للفرد، فصار الاعتناء بالفرد يتمُّ عبر مذهبٍ أيديولوجي.

الحداثة أكبر موجةٍ غرقنا فيها دون هوادة وانخرطنا فيها؛ فإن لم ننخرط عشنا في الحضيض، وسنتحوَّلُ حتماً إلى مزبلةِ التاريخ.

هذه الموجة اعتبرها عبد الله العروي موجةً يصعبُ العوم ضدّها، فإمّا الغوص حتى تمرَّ من فوق رؤوسنا فنظلُّ حُثالة، وإمّا نعومُ معها بكلِّ ما لدينا من قوة فنكونُ من النّاجين في أيّة رُتبةٍ كان.

كان العروي صادقاً في كلامه، لأنّ الغوص فيها ليست مسألة اختيارية بل ضرورية وحتمية. هذه حقيقة لا غبار عليها. الحداثة هي صدمة غزت أوروبا، وهي الّتي أنجبت مفهوم الفرد، أو بالأحرى تلك النزعة التي تعلي من شأن الفرد، وسيحتلُّ مركزيّة الكون، التي كانَ يحتلُّها الله في وقتٍ سابق.

مفهوم الفرد كمفهومٍ فلسفي برز خلال القرن الثامن عشر، قرنُ الحريّة والأنوار، والإعلاء من شأن الفرد. ثم سيتحوَّلُ فيما بعد إلى مذهب يمكنُ أن يعتنقهُ أيُّ شخص.

سأنطلقُ من الفرد عند أرسطو، وأحاول سبر في أغواره من أجل معرفة وفهم تصوُّره للفرد، ثم أعطاء لمحة عن الذّاتية عند ديكارت وربطها بمفهوم الفرد، ثم الانتقال مباشرة للفترة التي ظهر فيها الفرد وأُعطيّت له قيمة، أي القرن الثامن عشر، مع توماس هوبز وجون جاك روسو وجون لوك (فلاسفة العقد الاجتماعي)، ثم عند الفيلسوف الجدلي هيغل وتصوُّرهِ للفرد في الدولة البروسية التي كانت تعيشُ تحت وطأةِ الإصلاح آنذاك، وأخيرا عند الشجرة الكبيرة التي أرخت فروعها على الفلسفة خلال القرن العشرين، وهنا الحديث عن الأيقونة ميشيل فوكو.

لقراءة الجزء الثاني: كيف تطوّر مفهوم الفرد؟ من أرسطو إلى فلاسفة الأنوار 2/4

لقراءة الجزء الثالث: كيف تطور مفهوم الفرد: أثر ديكارت 3/4

لقراءة الجزء الرابع: كيف تطور مفهوم الفرد؟ أسئلة فوكو 4/4

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *